رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


جهات للفصل في نزاعات المؤسسات المالية الإسلامية

النزاعات في عالم التجارة والأعمال أمر طبيعي ويتكرر دائما بين المؤسسات والأفراد، سواء بسبب خلافات في تفاصيل العقود، أو تخلف أحد الأطراف عن الالتزام بما عليه، أو بسبب ما يتعلق بالأنظمة والتشريعات التي وضعت لتكفل الحقوق للأفراد والمؤسسات.
والحقيقة أن المؤسسات المالية الإسلامية لم تكن بعيدة عن النزاعات منذ نشأتها, لكن في غالب نزاعاتها تكون مع الأفراد، ومن خلال تعاملاتها مع الأفراد عملت على وضع الشروط والالتزامات التي تحفظ حقوقها في ظل صعوبة ذلك بالنسبة للأفراد بسبب وجود المشقة في متابعة المطالبة بحقوقهم، إضافة إلى أن المؤسسات المالية نفسها تلعب دور الخصم والحكم بسبب أن جميع الإجراءات والمعاملات تتم داخل هذه المؤسسات، ولديها ـ كمؤسسات كبرى ـ طاقم من المحامين والمستشارين القانونيين الذين يضعون الشروط, والمؤهلين بشكل عال للمطالبة بحقوق هذه المؤسسات، في ظل أن الأفراد ليست لديهم الكفاءة لذلك، وعدم قدرتهم أو ضعف جدوى توكيل محام كفؤ في ظل ارتفاع تكلفته في حين أن المبلغ محل النزاع أقل من تلك التكلفة.
ومع انتشار المؤسسات المالية الإسلامية وتوسع أنشطتها وظهورها على المستوى العالمي, حيث أصبحت تمول الدول والشركات الكبرى، بدأت تظهر بشكل بارز على السطح مشكلة فصل النزاعات المتعلقة بعقود المؤسسات المالية الإسلامية، خصوصا أن الأزمة المالية العالمية ولدت أزمة بشكل غير مباشر على المؤسسات المالية الإسلامية، وبدأت تظهر بعض النزاعات لدى المؤسسات المالية الإسلامية مع عملائها أو مستثمرين، وفي واقع الحال وجود هذه النزاعات يتطلب بشكل تلقائي وجود جهة تفصل فيها تكون مؤهلة من الناحية الشرعية والقانونية لتحفظ حقوق الأطراف المتنازعة، آخذة في الاعتبار أن الحكم الشرعي يأتي سابقا على أي شيء حتى إن كان الاتفاق على خلافه، إذ إنه من المعروف شرعا أن كل شرط أو اتفاق يتناقض مع حكم الشرع لا اعتبار له ولا يعتد به, حيث قال ـ صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط".
والسؤال المهم في هذه المرحلة هو: هل هناك جهات لديها التأهل الكافي للفصل في نزاعات المؤسسات المالية الإسلامية؟ وقبل ذلك وضع قواعد ومعايير وإرشادات لعمل المؤسسات المالية الإسلامية، لتكون مرجعية لهذه النزاعات؟
الحقيقة أن هذا سؤال مهم وملح, إذ إن الجهات القائمة اليوم ليس لديها التأهيل الكافي للفصل في نزاعات المؤسسات المالية الإسلامية، وذلك لأنها جهات تتعامل مع البنوك بشكليها التقليدي والإسلامي معاملة واحدة دون التفريق بين طبيعة المؤسستين، أو أنها جهات أجنبية غاية ما تريد أن تحققها هي الالتزامات والشروط التي وضعها طرفا العقد دون النظر إلى الحكم الشرعي في المسألة, الذي هو أساس تسمية البنوك إسلامية أو تقليدية، وجزء من المشكلة أنه لا توجد في الأساس معايير فعلا تلتزم بها المؤسسات المالية الإسلامية، إذ إن أقصى ما تلتزم به هذه المؤسسات هو قرارات هيئاتها الشرعية, التي لا تضع في الأساس معايير, بل يقتصر دورها على النظر في كل معاملة على حدة وإصدار قرار بإباحة هذه المعاملة أو تحريمها، وليس جزءا من صلاحياتها فصل النزاع بينها وبين المؤسسات الأخرى.
والحقيقة أن مسألة ضبط عمل المؤسسات المالية الإسلامية أصبح اليوم أمرا لازما لتكون مرجعية في وضع معايير عملها، وفصل نزاعاتها بناء على أحكام الشريعة الإسلامية, التي تسعى إلى إقامة العدل وحفظ الحقوق، إضافة إلى أن تكون هذه المعايير مرجعية ليكون هناك توقع للحكم والفصل في هذه النزاعات، كي تأخذها المؤسسات في الاعتبار، وتتجنب إجراء أي تجاوز.كما أن هذه المؤسسات لا بد أن تكون لها صفة إلزام، بحيث تكون أحكامها لازمة على كلا الطرفين، ولعل من الأنسب أن تكون هذه الجهات في مستوى سلطة الدولة لتأخذ صفة الإلزام، وذلك مثل مؤسسة النقد أو البنوك المركزية على أن يكون لديها طاقم من المتخصصين في هذا المجال للفصل في نزاعات المؤسسات المالية الإسلامية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي