البطالة لا تكمن في عمق اقتصادنا!
كنت أقرأ مقال الأديب نجيب الزامل_ كعادتي _ مستعدا لجولة فكرية ودروس فلسفية، لكن مقالته يوم الإثنين الماضي كانت مستفزة إلى حد كبير وهو يقدم اعتذاره إلى قبيلة ''بـِلي'' عن مقالته في الفقرالذي أصاب أحد أبنائها. والحقيقية أنني لم أطلع على المقالة المشكلة قبلا، فتصفحت مسرعا الأوراق الإلكترونية لـ ''الاقتصادية'' بحثا عن تلك المقالة التي استهلها الزامل بعبارة حزينة صارخة مفتوحة للأمّةِ جمعاء، لأن هناك من بيننا منهم تحت أقدامنا ويعيشون تحت خطوط من الفقر، بل تحت الأرض التي قد تتفجر بهم ـ كما قال الزامل ـ حمما من الغضب والحقد.
الحديث عن الفقر ليس جديدا, ومشكلة البطالة ملت من ترديدها الصحف, ولم يعد مستغربا علينا أن يكون في البيت أب متقاعد مع نصف ''دستة'' من الشباب العاطل. نوقشت الأسباب كثيرا, ورغم وضوح الصورة لكل ذي بصيرة, فقد بقيت الأمور كما هي، ذلك أنه - وللحقيقية - لم يصل الفقر تلك المستويات الخطيرة، مستوى أن تكون شابا يافعا مملوءا بالصحة والقوة وتذهب لتبحث عن أكلك في صفائح القمامة. أفهم أن يصل إلى هذا المستوى من لم يقدر على العمل بأنواعه كافة ـ كأن يكون معوقا - وتخلى عنه المجتمع, لكن أن يصل إلى ذلك من لديه نصف دستة شباب في المنزل, فتلك والله الفاجعة. اقتصاديا لم نصل إلى مستوى بيع الأبناء بعد ـ والحمد لله ـ ولعلنا لا نصل إليه أبدا ـ بإذن الله. ذلك أن مشكلة البطالة لا تكمن في عمق الاقتصاد السعودي، بل في مجرد تنظيمات رديئة بائسة وعادات وسلوكيات مذمومة فقط. الاقتصاد السعودي - ولله المنة - لم يزل قادرا على خلق فرص العمل. ما زلنا نملك القدرة على الشراء, ولا تزال عملتنا قوية قادرة على شراء المنتجات بأنواعها. ما زلنا نستهلك كثيرا، ونطلب أكثر مما نستهلك حتى أننا على استعداد لشراء الوهم من القنوات الفضائية. لكن عندما استخدم كلمة العمل فإنني لا أتحدث عن مجرد وظيفة, بل فرص للحياة والحركة وجني المال الحلال من خلال الإنتاج بكل أشكاله، حتى لو كان مجرد غسل سيارات في مواقف عامة. لا يزال الاقتصاد قادرا على خلق فرص العمل الإنتاجية ودفع عوائد مجزية عنها, ولا يزال النقص فيها كبيرا, لذا لا يزال الآلاف من العمال يتوافدون علينا من أنحاء العالم كافة. لم نصل إلى مستوى الكساد الكبير الذي أصاب العالم في ثلاثينيات القرن الماضي عندما كان الآلاف من العمال الأقوياء في الشارع، والشركات تقفل أبوابها الواحدة تلو الأخرى إفلاسا، فلم يكن هناك من يستطيع الشراء والدفع حتى لغسل ملابسه، لا أحد لديه مال.
إنه من المؤلم أن نسمع بمن لديه الصحة ورضي ببيع ابنه, أو شاب رضي بالعمل في المخدرات أو جرى خلف أوهام القاعدة ثم نقول ''لم يجد عملا في بلده''. إنه أكرم على الإنسان أن يعمل من كد يده ولو حطابا على أن يقوم بترويج المخدرات. فهل عسينا وقد فقدنا الوظائف الحكومية أن نعود إلى ما كان يعمل آباؤنا, فضلا عن أجدادنا, وكان الفقر مدقعا حينذاك. هل عز العمل حتى عن حطاب؟ فضلا عن الأعمال التي لا تنتهي في كل سوق وكل مجال بدءا من سوق الأغنام والخضراوات حتى أعمال السباكة والكهرباء وأعمال الخياطة والحلاقة وصيانة السيارات ـ ولو مجرد تغيير زيت. وكل هذه الأعمال لا تزال _ رغم استحقار المجتمع لها ـ أعمالا عظيمة وأكرم عند الله وعند أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ترويج المخدرات والبحث في صفائح القمامة .. ماذا جرى للناس؟ لقد عرفت شبابا كانوا يعملون بهمة في محالهم لصيانة الحاسب في انتظار وظيفة الحكومة، وكان دخلهم يتجاوز ستة آلاف ريال شهريا, هذا والمحل لم يزل صغيرا بسيطا. لقد كانوا يعلمون في مدينتهم ويسكنون مع ذويهم وأقاربهم، فلما جاءت وظيفة الحكومة وبراتب أقل من ذلك بكثير, بل تتطلب سفرا بعيدا وتكاليف سكن وانتقال لن تبقي من الراتب شيئا، إذا هم يتركون محلهم العامر للعمالة الوافدة بحثا عن سراب الراحة المزعوم. وها هو آخر يترك سوق الأغنام بعدما تمرس عليها ونما دخله منها إلى مستوى جيد, وهو فضلا عن ذلك يسكن مع والديه، لينتقل إلى إحدى المدن الكبرى في وظيفة حكومية بالكاد راتبها يكفيه فردا, فضلا عن أسرته, فأين المنطق الاقتصادي في هذا كله؟ لماذا يترك أحدنا عملا مجديا اقتصاديا مع انخفاض في تكاليف المعيشة ليسعى خلف وظيفة حكومية بمستوى راتب متدن - وفقا لمؤهلاته بالطبع - مع ارتفاع هائل في تكاليف المعيشة لن يتحملها دخله الجديد؟
نعم أجزم بوجود مشكلة بطالة, والمسألة ليست وهما, والإنذار الذي أطلقه أستاذنا الزامل حقيقي ومهم، لكن مشكلة البطالة مشكلة تنظيمية كبرى تسمح للعمالة الأجنبية بأن تحتل مناصب إدارية عليا ومرموقة، ووظائف مختلفة أخرى في شركاتنا الإنتاجية التي ندفع نحن مقابل منتجاتها. وإذا استمرت مشكلة البطالة كما هي, وتزايد عدد السكان, فالأمر خطير فعلا وتتحول القضية من قضية تنظيمية في المقام الأول إلى خلل في الهيكل الاقتصادي يقود إلى ما لا تحمد عقباه. ومع ذلك فإنني أجزم بأن أسباب البطالة لدينا لا تبرر تورطنا في قضايا أخلاقية خطيرة، لكنني أتحفظ قليلا على هذه النتيجة بخصوص وضع المرأة العاطلة لدينا ووضع بعض المعوقين, الذي يمكن أن يصل إلى حالة من الفقر خطيرة جدا بسبب كثير من العادات والسلوكيات التي تمنعهما من العمل مع غفلة المجتمع عنهما.