أسواق النفط بين انتعاش الاقتصاد العالمي وحادث خليج المكسيك

أسواق النفط العالمية واقعة تحت تأثير عاملين متضادين: حالة عدم اليقين بشأن الانتعاش الاقتصادي, التي تلقي بظلالها على توقعات نمو الطلب على النفط مقابل توقعات ارتفاع تكاليف صناعة النفط, واحتمال تأثر الإمدادات في أعقاب انفجار البئر في خليج المكسيك.
أسعار النفط الخام انخفضت بنحو 25 في المائة, أي أكثر من 20 دولارا للبرميل الواحد في أيار (مايو) قبل أن تتعافى ببطء إلى قرب 78 دولارا للبرميل الواحد في أواخر حزيران (يونيو). لقد كان الدافع وراء هذه التقلبات في أسعار النفط التجاذب بين المخاوف من ضعف الاقتصاد في أوروبا من جهة, وأسعار النفط الخام على المدى الطويل من جهة أخرى, التي تبدو أكثر انسجاما مع التوقعات بشأن ارتفاع تكاليف الصناعة.
الاقتصاد العالمي لا يزال يتعافى من الركود الاقتصادي الأخير الذي أثر في معظم اقتصادات العالم، على الرغم من أن سرعة هذا التعافي مختلفة في مناطق العالم الرئيسة، ما يوحي بأنه سيكون هناك تفاوت في مستوى التعافي. حيث من المتوقع أن يكون الانتعاش الاقتصادي على شكل L،U وV في كل من أوروبا، أمريكا الشمالية، وآسيا على التوالي. النمو في الناتج المحلي الإجمالي العالمي GDP من المتوقع الآن أن يتحول من سالب 1.0 في المائة عام 2009 إلى موجب 4.6 في المائة عام 2010، حسب إحصائيات صندوق النقد الدولي IMF الأخيرة. ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى النمو القوي في الاقتصادات الناشئة، والانتعاش الأولي الأسرع من المتوقع في بعض الاقتصادات المتقدمة مثل الولايات المتحدة. لكن توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا تم تخفيضها إلى 1.2 في المائة، ذلك أن أجزاء من الاتحاد الأوروبي ما زالت تعاني إرباكا ماليا شديدا من جراء العجز في ميزانية اليونان الذي وصل إلى أكثر من 12 في المائة وأزمة الديون السيادية فيها.
مستوى الديون السيادية, التي تعد في صميم الأزمة في منطقة اليورو، لا تزال تلعب دورا مهما في سرعة الانتعاش وشكله في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وفي الوقت نفسه تعزز المخاوف بشأن ضعف النمو في منطقة اليورو على المدى الطويل. في الولايات المتحدة، التي لا تزال تسير على طريق الانتعاش، الإنفاق الحقيقي للمستهلك ارتفع فيها إلى نحو 3.5 في المائة في الربع الأول من عام 2010. مع ذلك، بينما النمو الحقيقي للدخل فيها يتحسن، من المتوقع أن أرقام البطالة تزداد بصورة طفيفة، ما يضع مزيدا من الضغط على انتعاش الاقتصاد الأمريكي.
الصين كانت وما زالت في طليعة الدول التي تقود الانتعاش الاقتصادي العالمي، حيث من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي فيها بنحو 10 في المائة عام 2010. الصين تعمل حاليا على تجنب إنهاك اقتصادها، بعد حزمة التحفيز القياسية التي أقرتها الحكومة، لحماية اقتصادها من الركود الاقتصادي الأخير.
بخصوص الطلب على النفط، تشير معظم التوقعات إلى أن الطلب العالمي على النفط سينمو بين 1.0 و1.6 مليون برميل يوميا هذا العام أي نحو 1.3 مليون برميل يوميا في المتوسط. الطلب على النفط في آسيا من المتوقع أن ينمو بنحو 3 في المائة في عام 2010، هذا النمو يمثل ما يزيد قليلا على 50 في المائة من نمو الطلب العالمي السنوي. الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية non- OECD تقود عملية الانتعاش في الاقتصادي العالمي، حيث نمو الطلب على النفط فيها من المتوقع أن يمثل أكثر من 90 في المائة من إجمالي نمو الطلب العالمي على النفط عام 2010. الصين ستكون لها حصة الأسد من هذا النمو, لكن حالة عدم اليقين لا تزال مستمرة، حول تأثير الأزمة المالية في أوروبا، استمرار المشكلات الاقتصادية قد يعني نموا ضعيفا في الطلب على النفط، ما قد يؤدي إلى تحويل الطلب على النفط في بلدان منظمة التعاون والتنمية من نمو في حدود 0.1 مليون برميل يوميا إلى سالب لهذا العام. الطلب على النفط في أوروبا من المتوقع أن ينمو بنحو 0.5 في المائة هذا العام، لكن احتمالية الانكماش ما زالت قائمة.
انفجار البئر النفطية في خليج المكسيك في الولايات المتحدة خلق حالة من القلق في أسواق النفط العالمية ووضعت ضغوطا تصاعدية على أسعار النفط الخام, حيث أدى الحادث إلى توقعات بارتفاع تكاليف الإنتاج، هذا الاتجاه بالتكاليف كان بالفعل حاصلا حتى قبل الانفجار لكن بصورة معتدلة. هذا الانفجار أدى إلى تدفق نحو 30 ألف إلى 60 ألف برميل يوميا حسب تقديرات الحكومة، قامت على أثرها الحكومة في 28 أيار (مايو) بوقف جميع تصاريح حفر الآبار الجديدة في خليج المكسيك. أثر هذا الإجراء في 33 تصريحا صادرا لآبار استكشافية في أعماق للمياه أكثر من 500 قدم. إضافة إلى وقف عمليات الحفر الجديدة في المنطقة، قامت وزارة الداخلية الأمريكية بتقديم توصيات جديدة بخصوص أنظمة السلامة. التقييمات الأولية تشير إلى أن مجموعة اللوائح الجديدة ووقف العمليات من المحتمل أن تؤدي إلى تعطيل أبراج الحفر, وكذلك التأثير في أسواق الخدمات النفطية في خليج المكسيك، هذا بالتأكيد سيزيد من تكاليف الإنتاج في جميع المجالات وسيؤخر أيضا إنتاج كل من النفط والغاز الطبيعي من خليج المكسيك.
نظرا للحاجة إلى الحصول على شهادات إضافية وزيادة تكاليف أنظمة منع الانفجار وارتفاع أقساط التأمين، من المتوقع أن تزداد تكاليف الحفر في خليج المكسيك عام 2010. زيادة المسؤولية المالية عن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الكوارث على 75 مليون دولار تجري مناقشتها حاليا، حيث من المحتمل أن تصل إلى عدة مليارات من الدولارات. وضع سقف للمسؤولية عال جدا يمكن أن يقلل عدد الشركات الراغبة في إجراء عمليات استكشاف وإنتاج في خليج المكسيك. من المتوقع أيضا أن تزداد تكلفة الحفر. هذا الوضع في خليج المكسيك من الممكن أن يؤثر أيضا في نشاط العمليات في المياه الضحلة.
هذا وتمت في مقال سابق مناقشة تداعيات حادث خليج المكسيك على مستقبل إمدادات النفط من الحقول البحرية في خليج المكسيك وخارجه، وتأثير ذلك في إمدادات النفط العالمية.
أساسيات السوق على المدى القصير تشير إلى نمو معتدل في الطلب على النفط، مستوى خزين عال مع وجود وفرة في الإمدادات النفطية والطاقات الإنتاجية الاحتياطية، هذه الأساسيات تصطدم مع توقعات المضاربين في السوق على المدى الطويل المتمثلة في ارتفاع تكاليف الإنتاج والمخاوف من احتمالية تباطؤ النمو في الطاقات الإنتاجية العالمية. حيث على الرغم من انخفاض أسعار النفط الخام بنحو 25 في المائة في أيار (مايو) من نحو 86 دولارا للبرميل في بداية الشهر، قبل أن تنتعش قرب الحد الأعلى من النطاق 70 إلى 80 دولارا للبرميل، إلا أن ''كونتانجو'' – Contango الموجود قد اتسع منذ مطلع نيسان (أبريل). حيث تشير الإحصائيات إلى أن الفرق Spread بين أسعار النفط في العقود الفورية والعقود الآجلة للنفط لعام 2015 اتسع من نحو خمسة دولارات للبرميل الواحد في مطلع نيسان (أبريل) إلى أكثر من 18 دولارا للبرميل الواحد في 18 أيار (مايو) بعد حادثة خليج المكسيك، قبل أن يتراجع مقتربا من 12 دولارا للبرميل في نهاية حزيران (يونيو). إن توقعات أسعار النفط في العقود الآجلة تشير إلى سعر نفط في حدود 90 دولارا للبرميل الواحد على المديين المتوسط والبعيد، هذا التوقع يعكس توقعات المضاربين في حدوث ارتفاع في تكاليف الإنتاج وحدوث تباطؤ في نمو الطاقات الإنتاجية.
إن التوقعات على المدى الطويل تعد مهمة لمعرفة اتجاهات أسواق النفط على المدى القصير، حيث إن سعر نفط في حدود 90 دولارا للبرميل الواحد على المديين المتوسط والبعيد ستكون بمثابة مرتكز من المرجح أن يمنع أسعار النفط في الأجل القصير من التراجع إلى مستويات متدنية. كما أن توقعات السوق بارتفاع تكاليف الإمدادات الجديدة، خصوصا المشاريع الهامشية الأكثر تكلفة marginal cost projects، وضعت هي الأخرى أرضية لأسعار النفط، هبوط الأسعار دونها سيخل بالتوازن بين العرض والطلب لمصلحة الطلب وتعود الأسعار إلى الارتفاع من جديد. اتساع ''الكونتانجو'' Contango خلق فرصة للمستثمرين في أسواق النفط للاستفادة من ارتفاع العقود الآجلة للنفط، وذلك عن طريق تخزين النفط وبيعه بأسعار أفضل في وقت لاحق.
لذلك من المتوقع أن يستمر تداول سعر خام تكساس الوسيط ضمن نطاق 70 إلى 80 دولارا للبرميل لما تبقى من عام 2010، احتمالية تداوله خارج هذا النطاق ما زالت قائمة طبعا، لكن لفترات وجيزة فقط. حيث إن التوقعات بارتفاع التكاليف واحتمال تباطؤ النمو في الطاقات الإنتاجية في المستقبل تدعم أسعار أعلى من هذا النطاق, بينما استمرار قوة الدولار والمخاوف بشأن تدابير التقشف المالي في أوروبا تدعم انخفاض أسعار النفط الخام.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة أن يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي