التشنيع بأنظمة العقار الجديدة

يشن بعض العقاريين حملات نقد لاذعة تجاه أنظمة العقار الجديدة التي تحاول وضع حد أدنى من الانضباط في السوق العقارية وتنظيمها وضمان حقوق الأفراد البسطاء في التبادلات العقارية، التي تتسم بدرجة كبيرة من الفوضى. ووجه هؤلاء سهامهم إلى قرارات تنظيم البيع على الخريطة, التي تستهدف الحد من مستويات الاحتيال والتضليل السائدة في السوق العقارية، والمتوقع أن تكون أكثر في حالات البيع على الخريطة. ويعاني مشترو العقار تدني مواصفات المباني الجاهزة والمباعة حالياً, حيث يعمد كثير من مطوري العقار إلى استخدام مواد رديئة وأعمال تنفيذ متدنية المستوى من أجل تحقيق أعلى أرباح ممكنة في الأمد القصير. وينسى هؤلاء أن الأمانة في تنفيذ الأعمال واستخدام المواد المناسبة والجيدة تكسب البائعين سمعة جيدة وترفع مكانتهم في الأسواق وترفع الطلب على منتجاتهم، ما يحقق لهم أرباحا أعلى على الأمد الطويل. لكن من مصائب السوق العقارية (ليس فقط في المملكة), أن نسبة ليست بالقليلة من مطوري العقار والمتاجرين فيه يغلب عليهم طبع الطمع, الذي يدفعهم إلى التركيز على تعظيم الأرباح في الأمد القصير فقط. وأدى هذا إلى تردي نوعية العقارات الجاهزة المعروضة للبيع، بما في ذلك العقارات المنفذة من قبل مطورين عقاريين مشهورين. وساعد على كثرة التجاوزات في التبادلات العقارية غياب الأنظمة والتشريعات الجيدة التي تحكم العلاقة بين المتاجرين في العقار. ويعاني عديد من مشتري المنازل الجاهزة حالات نصب وتضليل واحتيال متعمد لا حدود لها، ولهذا برزت الحاجة إلى إيجاد أنظمة تنظم العلاقة بين المتاجرين بالعقار للحد من حالات النصب التي يتعرض لها المشترون. وفي هذا المقام ينبغي التنويه بأهمية تضمن هذه الأنظمة إلزام مطوري العقار بتحديد كميات ومواصفات المواد والأعمال بدقة، وتفاصيل أكثر في حالة بيع الوحدات السكنية على الخريطة. ومع ثبوت وجود حالات غش كبيرة متعمدة يتعرض لها مشترو البيوت الجاهزة، فإن من المتوقع أن ترتفع مستويات الغش بشدة في عمليات البيع على الخريطة، نظراً لكون هذه الوحدات على الورق ولا يمكن مشاهدتها على أرض الواقع حين توقيع العقود. وسيتعرض المشترون بدرجة أكبر للنصب والاحتيال في ظل ما هو سائد من تضليل في السوق العقارية وفي سوق صناعة الإنشاء والتعمير. ولهذا فإن عمليات البيع على الخريطة ينبغي أن تتضمن تفاصيل أدق عن كميات المواد المستخدمة ونوعيتها ومواصفاتها وعن أساليب ودرجات تنفيذ أعمال البناء وأوقات الوفاء بالالتزامات, وأن يخضع الطرف المخل بالعقود بدفع مقابل للإضرار بالتأخر أو رداءة المواد المستخدمة أو سوء تنفيذ الأعمال. كما ينبغي أن تتضمن الأنظمة حدوداً دنيا لضمان عمر المنشآت والأعمال والمواد, والحد من حالات التستر على الأعمال الإنشائية التي يقوم بمعظمها أجانب تحت أسماء سعودية وهمية. ويقود التستر إلى حالات نصب أكبر بسبب ضياع المسؤولية بين الكفيل والمنفذ الفعلي، وميل عديد من منفذي الأعمال الإنشائية الأجانب إلى الاختفاء بسرعة بعد إنجاز الأعمال. وأحسن معدو قرارات تنظيم البيع على الخريطة عندما حددوا الصرف من أموال المشترين على المشاريع المرتبطة بالعقود، ومنعت بذلك بعض مطوري العقار من التلاعب بأموال العملاء, كما كان يفعل كثير منهم في السابق. وضيع عديد من طارحي المساهمات العقارية أموال المساهمين البسطاء في عمليات المضاربة في سوق الأسهم والأعمال التجارية الأخرى غير آبهين بحجم المخاطر التي كانوا يواجهونها. ولم تفرض الأنظمة أي قيود على صرف أموال المساهمات, وصارت تلك الأموال مستباحةً لجامعيها وبتكلفة تمويل قريبة من الصفر, ما شجع مديري المساهمات على العبث فيها وتشتيتها. وتكبد عديد منهم خسائر فادحة, ورحلوا هذه الخسائر بكل برود إلى المساهمين, وعجزوا عن تسديد مستحقاتهم. وتسود في المساهمات العقارية مماطلة ملاك ومديري المساهمات العقارية وتأخرهم وامتناعهم عن دفع حقوق المساهمين حتى عند تحقيقهم أرباحا كبيرة, ما ضيع حقوق كثير من مساهمي العقارات. ولو سادت في المساهمات العقارية النزاهة وحسن التدبير لما أُجبرت الجهات الرسمية على البحث عن بدائل لهذه المساهمات حين وضعت نظاما بديلا للاستثمار العقاري عن طريق الصناديق العقارية، التي يعارضها العقاريون بشدة لأن فيها نوعا من التنظيم للسوق العقارية.
إن ترك سوق الإنشاءات ومشاريع تنمية العقار دون أنظمة عادلة تنظم التعامل بين المشترين والبائعين لم يعد مستساغاً ولا مقبولاً في دولة تسعى إلى تحقيق العدالة بين المتعاملين في الأسواق. ويبدو أن نسبة كبيرة من العقاريين يريدون سوقا عقارية دون ضوابط وأنظمة كي يتمكنوا من التغرير بالبسطاء وتحقيق أرباح عالية وغير مشروعة, بل محرمة، غير مكترثين بأحوال المشترين الذين أضناهم الدهر في جمع موارد مالية قليلة أملاً في تأمين سكن ملائم لأسرهم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي