العلاقة مع تركيا
آخر خلافة إسلامية كانت تركية وامتد ذلك إلى الحقبة القومية التي رادفت الاستقلال الاسمي لأغلب الدول العربية تحت «رعاية» الدول الغربية، ولذلك يبقى الكثير في الذاكرة التركية السياسية.
مما يضيف تعقيداً آخر أن اللون السياسي اليوم في المنطقة ذو طابع ديني، فالإسلام اليوم - منهجا أو عنصراً فاعلاً أو معارضة - لاعب سياسي أساسي. ولذلك فإن تركيا «الإسلامية» استطاعت النفاذ بسهولة إلى العالم العربي فعلياً وعاطفياً. فاجأت الجميع تركيا بعنفوان سياسي وحضور اقتصادي واعد. ولذلك حان الوقت لإعادة النظر في دور تركيا وعلاقتنا معها.
التغير الأساسي بدأ من تركيا، فبعد أن كانت تعاني فسادا اقتصاديا مزمنا وتجاذبا سياسيا غير صحي. بدأ الحكام الجدد بإصلاح النظام البلدي في إسطنبول وغيرها من المدن التركية، استطاعوا إقناع الناس بقدرتهم على تفعيل الخدمات بمصداقية وفاعلية حيوية وتقليل الفساد إلى أن وصلوا إلى دفة الحكم. تلى ذلك نمو اقتصادي منافس عالمياً، فالنمو الاقتصادي في تركيا قد يحقق 7 - 8 في المائة في عام 2010. هذا ضعف نسبة النمو في المنطقة العربية وإيران. أجاد الأتراك اللعبة فهم لا يزالون يتمتعون بعضوية حلف الناتو وعلاقة مع إسرائيل وعلاقة مع دول المنطقة تختلف في عمقها وطبيعتها طبقاً للحسابات السياسية والاقتصادية لمصلحة تركيا وأهمية كل دولة. حملة الحرية إلى غزة كانت شرارة وذات قيمة رمزية ولذلك أهميتها كونها فرصة لتركيا لإعادة التعريف وإعلان التغيير بنهج جديد.
في ظل هذه الخلفية التاريخية والمعادلة الجديدة يجب علينا إعادة النظر في نمط العلاقة مع تركيا. الملاحظ اليوم يجد أن العلاقة مع تركيا ظاهرياً لم تتغير بل لعلها حذرة. ولكن لعل السؤال المهم هو: ما طبيعة العلاقة، وكيف نستطيع التأثير فيها لما يخدمنا استراتيجيا؟ قبل الدخول في تحديد هذه النيّات يجب أن نفرق بين عنصرين مهمين، الأول حول مدى استطاعة تركيا مواصلة هذا الزخم بسبب عادة تركيا في الضعف الاقتصادي الذي يعاودها دورياً، والثاني نقاط الضعف في حالتها الجيوسياسية بسبب استدامة المسألة الكردية والأرمنية أو عودة الحالة الكمالية بصورة أو أخرى. يقابل ذلك أن تركيا دولة سنية، ولكنها ارتأت أن الموقف الاستراتيجي الإقليمي يتعدى المذهبية وهذا موقف نبيل لنا أن نشجعه خاصة في ظل رغبة إيران الملحة في الاستقطاب المذهبي خاصة كلما ازدادت الضغوط الدولية عليها.
لهذه اللعبة الجيوسياسية أطراف عدة فلم نعرج على الموقف الروسي أو الصيني على سبيل المثال ولم نتحدث عن رغبة تركيا في أن تكون المحور الأساسي في طريق تجارة الغاز الطبيعي. ولذلك فإن فرز هذه العوامل الظاهرة أو الكامنة يجعل من تحليل الوضعية في تركيا أمرا صعبا للغاية. الواضح أن الدول العربية المؤثرة فوجئت ولم يتبلور لديها رؤية واضحة، فحان الوقت للتقرب من تركيا إعلامياً وسياسياً فهذا بُعد جيو استراتيجي لم يعط حقه.