النص المقدس يقاوم عوادي الزمن .. أما القراءة فلا
قراءة النص، ولا سيما المقدس منه، مسألة شائكة وذات شجون. كثيرة هي الفتن والحروب والصراعات التي حدثت كنتيجة مباشرة للقراءات المختلفة للنص المقدس الواحد. التاريخ مليء بالشواهد. وكثير من الصراعات الدموية التي تعصف بالعالم اليوم سببها القراءات المختلفة للنص الواحد. والتاريخ شاهد أيضا على أن أية محاولة لتثبيت أركان قراءة واحدة لا بد أن تبوء بالفشل الذريع. وكثيرا ما استخدم أصحاب السلطة والمعرفة البطش والقهر والظلم والحرمان والإقصاء بحق الذين يخالفونهم في القراءة إلا أنهم لم يفلحوا في جعل الناس، كل الناس، يتبعون ملتهم وفكرهم ومنطقهم وقراءتهم.
أين تكمن المشكلة؟ جذور المشكلة موجودة فينا نحن البشر. نحمل أنفسنا ما لا نستطيع تحمله ونحاول قهر ما لا يقبل به الله في كتابه العزيز. نحن نحاول التغلب على الصفة البشرية التي منحنا إياها الخالق وأكدها في قرآنه مرارا ومفادها أنه يرضى عنا وإن كنا مختلفين وإن الاختلاف مشيئة إلهية. ألم يختلف المسلمون في قراءتهم القرآن بعد وفاة النبي بفترة قليلة؟ كل نص حمال لأوجه مختلفة وينطبق هذا القول على النص القرآني أيضا. وهكذا ترى أن الصحابة أنفسهم، من الذين تلقوا الوحي من فم الرسول ذاته، اختلفوا اختلافا كبيرا في قراءتهم للنص، وإلا كيف يعقل أن يقتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة؟ وكيف يعقل أن يتقاتل المسلمون فيما بينهم، ويتشتت أصحاب الرسول بين الأطراف المتصارعة إبان حكم عثمان وعلي وبنيه وبني أمية وبني العباس وغيرهم.
وانظر كيف أن كل محاولات المسلمين لتأسيس "دار إفتاء" أو "مجمع إفتاء" قد باءت بالفشل. وانظر كيف أن المفتي الواحد يعدّل لا بل يغير موقفه ولم تمض على فتواه أيام معدودة. وانظر كيف أن الدعاة يختلفون فيما بينهم ويطالبون بحرمان أو حجر الآخر بينما المسألة المختلف عليها هامشية لا علاقة لها بصلب الرسالة.
ولننظر إلى الفرق والجماعات الإسلامية إن كانت فكرية أو مقاومة أو مجاهدة. كل جماعة لها مفكر أو مرشد أو داعية أو مفت يقودها. البعض منها يحرم فكر الآخر لا بل قد يدعو إلى هدر دمه، ولكن كل واحد منها يعتقد ويجزم ويقسم أن ما يقوم به مطابق للشريعة وإن أدى إلى هلاك الأنفس البريئة حتى من المسلمين.
كيف نفسر ظواهر كهذه؟ تفسير ظواهر اجتماعية سببها الرئيس الاختلاف في قراءة النصوص المقدسة ليس مسألة هينة. هنا لا أقصد الخوف من البشر. قصدي أنني كباحث أؤمن بقدسية النص ومن هنا تأتي خشيتي وليس من الناس. وحتى في هذا الموقف تكمن خطورة كبيرة في كثير من الأحيان نغمط النص حقه من خلال تشبثنا بموقف نراه موائما لقدسيته لكنه يثلمها. القرآن رسالة. لم يأت القرآن كردة فعل للمسيحية أو اليهودية أو حتى الوثنية. القرآن أتى كي يملأ فراغا روحيا وجسديا في كل ما يحتاج إليه الناس في حياتهم من عرب وعجم. ودخل الناس الإسلام أفواجا لأن رسالته ملأت الفراغ في حياتهم واستجابت لمتطلباتهم الروحية والمادية. حرم الإسلام وأد البنات لأنه كان موجودا عند نزول الوحي، وحرم أمورا كثيرة أخرى لأنها كانت تؤثر سلبا في الحياة. لم يحرم الإسلام أمورا لم تكن معروفة، لا بل شائعة إبان نزوله. أي تنتفي الحاجة إلى قراءة النص (وليس قدسية النص) إن لم يعد الشيء المحرم في المتناول. ولكن حتى هذا اليوم، بعد مضي أكثر من 1400 سنة ما زالت فرائصي ترتعد عند قراءتي لسورة التكوير التي ترد فيها الآية "وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ". الحاجة لم تنتف للنص المقدس على الإطلاق، حاجتنا إلى قراءته تغيرت.
نحن في حاجة إلى قراءة تملأ الفراغ في حياتنا في هذا العصر. القراءة الصحيحة - من وجهة نظري كباحث - هي التي تستجيب لما يحتاج إليه المسلمون في هذا العصر لا القراءة التي تأخذهم بعيدا عما هم في حاجة ماسة إليه في حياتهم من أمور مادية وروحية وجسدية وثقافية وسياسية ومالية وجهادية واجتماعية. الإسلام نور وتبصر، للعقل والمنطق دور كبير في استيعابه. ودليلي على ذلك هو قراءتي لقوله تعالى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لّا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ". وكيف للمسلم أن يعرف الله دون قرآنه؟
ألتقيكم الجمعة القادم.