خواطر مع النجاح .. الفشل هو الأصل .. وليس كل من زرع حصد

هذا موسم النتائج على جميع المستويات حتى في كرة القدم, فلقد حصدت أربع دول في العالم فقط جهد سنوات من الإعداد الرياضي وأخفقت في حصادها باقي دول العالم ـ على مراحل مختلفة من سباق الكرة. ورغم الفشل في الحصاد فإنه من الصعب القول إنها لم تزرع شيئا. والمناسبة هي المناسبة - وإن اختلفت في أهميتها - مع تسابق أبنائنا الطلاب على معرفة النتائج وقطف مقاعد في الجامعات أو سوق العمل. وإذ نهنئ الناجحين فلا بد من بعض التعازي لمن تجرع ألم الفشل. النجاح هبة الرحمن, هذه هي القاعدة التي تعلمتها في حياتي. نحن كبشر مخلوقين من طين لازب خُلقنا لا نعلم شيئا ولا نملك شيئا. المرض والفشل هما الحقيقة التي نجزم بها, والضعف والمرض هما الوضع الحقيقي لنا. جُبِلنا على حب الشهوات بأنواعها, حلالها وحرامها, ولولا تلك الجبلة لما تنازع فينا الخير والشر, ولما كان للاختبار معنى أو مقصود, ولا للجنة طلابها والنار خُوافُها.
النجاح هبة الرحمن, وكذلك الصحة والقوة، فلا شيء من ذواتنا، كلها من الله وحده. النجاح هبة الرحمن, فمهما كانت قدراتنا على الدراسة وصبرنا على العمل فإن النتيجة والحصاد أمران يخصان الخالق وحده وليس لنا من الأمر شيء. فمن منحنا الصحة التي بها نحيا ونستمر؟ ومن منحنا العقل لنفهم والمادة والوقت لنعمل ونعيش؟ تتقاذف العالم حروب هائلة تعطل الفكر والتقدم, والله جعل لنا حرما آمنا لنعمل ونفكر في ملكوته. الله وحده الذي بيده الأمر وإليه يجب أن نرفع الأيدي بالدعاء بالتوفيق, وإليه نرفع بالشكر إذا تم لنا الأمر بالنجاح كما نحب.
ليس لنا من الأمر شيء سوى أن نعمل وفق أفضل ما عَلِمنا وأن نتعلم وفق أفضل ما عَلِمَ أسلافنا, بينما النتائج خارج تصرفنا وليست خاضعة لظروفنا نحن. المشكلة الكبرى أننا نضغط على أنفسنا وأبنائنا ونمارس جريمة جلد الذات إذا لم نتمكن من الحصاد ولم ننجح في قطف الثمار. لكن الله يخبرنا في أكثر من آية بأن الأمر بيده وحده سبحانه وليس لنا إلا العمل فقط والدعاء بالتوفيق. فالله ـ جل شأنه ـ يضرب لنا مثلا بأصحاب الجنة فيقول " إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ" فقد أقسموا بأنهم سيمضون في الصبح إلى حصاد بستانهم المملوء بالخير وثمار جهدهم طوال الموسم. فقد عملوا وبذلوا الجهد وزرعوا وبناء على ذلك الجهد اعتقدوا أنهم حاصدوه بلا شك على قاعدة من زرع حصد. لكنهم لم يرجعوا الأمر إلى الله ولم يستثنوا بقولهم إن شاء الله. فأخبر الله عنهم بقوله "فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ" أي انتهى ذلك العمل والجهد والمثابرة والقدرة على الحصاد بلا شيء، لقد أتى الله بنيانهم من القواعد. فليس كل من زرع سيحصد لأن النتائج بيد الله وحده فقط.
ليس لنا من الأمر شيء, فليس من جد سيجد, ليست هذه بقاعدة صحيحة نعلم فيها الأبناء كيف يواجهون الحياة ويقودون معركتهم بأنفسهم. هذه رسالة إلى الجميع آباء وأبناء, فالحياة مملوءة بأنواع الفشل, وليس كل عمل مهما بلغ ستكون نهايته النجاح، الفشل جزء منا بل هو الأصل في طبيعتنا، النجاح هبة الخالق. يجب ألا نمارس جلد الذات عندما نفشل لكن يجب أن نبحث عن الأسباب التي أفقدتنا يد الله الواهبة للنجاح. كما يبتلينا الله بالنجاح لنشكره يبتلينا بالفشل لنلجأ إليه. يجب أن نتدرب وندرب الأبناء على تحمل الفشل وممارسة فعل العمل للعودة للحياة والقتال نحو أمل جديد من النجاح. كل من جد وجد ثقافة خاطئة يجب أن نلغيها من كل مدارسنا ونمحو هذا المثل من كل حياتنا. الضغط من أجل النجاح دون وعي بأن الأمر لله وحده يقود إلى فشل ذريع. يجب أن نعلم الأبناء الحياة, والحياة تعني أمرين معا, تعنى العمل والأمل معا. وفي سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مواقف كثيرة من الفشل وعدم النجاح وهو رسول الأمة ومعلمها فبعد أن ذهب إلى الطائف عاد بلا فائدة بل لم يستطع دخول مكة. لماذا يعرضه الله لهذه التجربة الصعبة جدا وهو يعلم أنها غير مجدية، يقول الله ـ جل وعلا - مخاطبا نبيه الكريم "ليس لك من الأمر شيء", وذلك عندما شُج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أحد فقال "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟".
نعم, ليس لنا من الأمر شيء, وكلنا في هذا سواء, كلنا نملك الفكر والعقل والقدرات نفسها, ليس منا عبقري, ليس منا صاحب الذكاء الخارق أو القوة العظمى. لكن من بيننا من يعرف الفشل حق المعرفة، يعرفه أكثر من النجاح, ويعرف أن العودة إلى الحياة والعمل أفضل علاج. لقد تعاملت مع مئات إن لم يكن الآلاف من الطلاب، دربت كثيرا, وتعلمت من أساتذة كبار في تخصصي رأيتهم كيف يعملون، فشلت كثيرا وتحررت من آلام الفشل بقدر ذلك. وعرفت أن بيننا وبين العبقرية والذكاء جبال من الصبر على العمل. لم يكن أديسون عبقريا بل صبورا, ولقد فشلت لأديسون آلاف التجارب, لكنه الفشل الذي قاده إلى العمل حتى وفقه الله إلى إنارة الطريق للعالم. ولذلك يقول في أشهر عباراته " لو يعلم الذين توقفوا إلى أي درجة كانوا قريبين من الإنجاز قبل أن يتوقفوا لما توقفوا أبدا".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي