العملة الخليجية .. الشك في قوة المالية العامة على المدى البعيد
ذكرت جريدة «الاقتصادية» في عدد الجمعة 2/7/2010, أن الشيخ سالم الصباح رئيس لجنة محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية في دول مجلس التعاون الخليجي، أكد استمرار العمل في مشروع إصدار العملة الخليجية الموحدة.
ونقل أن الشيخ سالم الصباح ذكر أن المشكلات المتعلقة بالمديونيات الحكومية المرتفعة في الموازنات العامة التي تعانيها دول منطقة اليورو، هي مشكلات غير قائمة في دول مجلس التعاون التي تشهد على العكس وجود فوائض في الموازنات العامة، وكذلك توجد لديها فوائض متراكمة في الاحتياطات من النقد الأجنبي. وطمأن بأن هذه الأوضاع الإيجابية ستستمر.
وأقول إن من الصعب جدا القول إن هذه الأوضاع الإيجابية ستستمر، في المملكة خاصة. من الصعب جدا القول إن بنية المالية العامة في المملكة على الأقل توصف بأنها متينة البناء، وإننا بعيدون على المدى البعيد من العجز وإفلات الدين العام منسوباً إلى الناتج المحلي الإجمالي لضمان الاستقرار المالي والنقدي المنشود. فقد يبقى سعر برميل النفط دون نطاق 100 دولار على المدى البعيد، وفي الوقت نفسه سيتضاعف عدد السكان ليصل إلى نحو 50 مليونا بعد نحو ربع قرن. أما الكويت وقطر (والإمارات لو انضمت إلى المشروع) تخصيصا، فإن المشكلة بالنسبة لهما صغيرة، فعدد المواطنين في كل منهما قليل جدا مقارنة بالمملكة، ويبلغ نصيب الفرد في كل منهما من إيرادات النفط والغاز أضعاف نصيب الفرد في السعودية.
هناك احتمال كبير بوجود صعوبات تواجه المالية العامة السعودية بعد سنين. ويصعب على البنك المركزي الخليجي (المفترض) التساهل مع حكومة تعاني متاعب مالية. وعندما يكون البنك المركزي مستقلا عن الحكومات، فيحتمل جدا أن يضع المستثمرون ضوابط أشد في منح الائتمان للحكومات.
مشكلات في المالية العامة
نحن نواجه عدة مشكلات في إدارة المالية العامة. ربما يقف على رأس هذه المشكلات تقلب الإيرادات وكفاءة توزيع الموارد, فمعروف أن الميزانية العامة عانت تقلبات كبيرة في عائدات النفط، التي تمثل الغالبية العظمى من إيرادات الحكومة. وشكل تقلب أسعار النفط صعوبات في إدارة المالية العامة وتخطيط الميزانية والتخصيص/التوزيع الكفء efficient allocation للموارد. وتجلت هذه المشكلة بوضوح منذ النصف الثاني من الثمانينيات وإلى مطلع الألفية الثانية (أي قبل ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة)، خلالها كان التغير في الإنفاق مرتبطا ارتباطا شديدا بالتغيرات في أسعار النفط العالمية.
فرض تقلب العائدات إبان تلك الفترة على الحكومة أن تعيد النظر في استراتيجيات التنمية, فبدلا من استهداف معدلات نمو مرتفعة وتنويع صناعي وسرعة تحسين مستويات المعيشة، فإن الاهتمامات الرئيسية للحكومة انصبت على توفير الاحتياجات الأساسية لأغلبية السكان. وكان لتقلب الإيرادات أثره في رأس المال والإنفاق على أعمال التشغيل والصيانة, ما أدى إلى تقلبات في أنماط النمو. كما قامت الحكومة آنذاك بخفض الرواتب بطريقة غير مباشرة، كالتعيين على بنود لا تخضع لنظام الخدمة المدنية برواتب منخفضة، وقد عين على هذه البنود عشرات الآلاف من الموظفين والمعلمين والمعلمات. وكتعيين عشرات الآلاف من المعلمين والمعلمات على المستوى الأول بدلا من الرابع الذي يستحقونه نظاما.
خلال تلك الفترة، ارتفع العجز الأساسي غير النفطي في البداية إلى ما يزيد على 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، لكنه انخفض تدريجيا، بسبب التخفيض الحاد في الإنفاق. وجاءت العجوزات الأساسية غير النفطية الكبيرة، لكن المتناقصة مصحوبة بزيادة حادة في الدين العام، حيث تجاوز 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي قبل نحو عشر سنوات، ورافقتها خسارة في صافي الاحتياطيات الدولية خلال جزء كبير من التسعينيات.
مع ارتفاع أسعار النفط وتحسن أوضاع المالية العامة خلال السنوات الأخيرة، فإننا نشهد ما يشبه التكرار لسياسات الإنفاق إبان التزايد الحاد في الإيرادات خلال الفترة من 1974 إلى 1981. وفرة المال ضغطت باتجاه تسارع الإنفاق، وتزامن مع الوفرة والتسارع تدني حس استخدام الموارد أفضل استخدام. وتسارع الإنفاق الحكومي آنذاك أضعافا مضاعفة في بضع سنين، كما لو أن أسعار وإيرادات النفط ستبقى مرتفعة، ولن تتعرض إلى تذبذب حاد.
وخلاف التذبذب الحاد، تتسم عمليات الميزانية بإنفاق أعلى من الاعتمادات الأولية. فمن المشاهد أن الإنفاق الفعلي كل سنة تقريبا أعلى كثيرا من الميزانية التي يعتمدها مجلس الوزراء، قبيل بداية العام المالي. وهناك عوامل خلف ذلك من أهمها ضعف أو اختلال الضوابط الحاكمة للالتزامات.
وتعاني الحكومات نقص مواردها البشرية الفنية التي تعمل على تقييم ومراقبة الوضع الراهن للاقتصاد، خاصة المتعلق تعلقا مباشرا بالمالية العامة. كما تعاني نقص قدراتها البشرية في التحليل والمشورة بشأن السياسات الاقتصادية الكلية والقطاعية، وتنظيم الأسواق المالية وسياسات التمويل للإسكان وغيرها؛ وإدارة النقدية وديون الدولة.
أولويات وتحديات مستقبلية
مشروع العملة الخليجية تقليد لتجربة الاتحاد الأوروبي، لكن بين عملات الخليج وأوروبا فروقات. عملات (في السابق طبعا) كالمارك الألماني والفرنك الفرنسي كانت عملات عالمية رئيسة لم تربط بعملة أخرى كالدولار الأمريكي مثلا, أما دول المجلس فوضعها مختلف، فهي دول أسعار صرف عملاتها ثابتة أمام عملات رئيسة أخرى, خاصة الدولار.
لو اتفقت دول المجلس على تثبيت أسعار عملاتها وإدارة ذلك ضمن مجلس نقدي لكان هذا في نظري كافيا في الوقت الحاضر وأنسب، لأنه سيحقق تقريبا الفوائد التي ستتحقق من العملة الواحدة، دون الاضطرار إلى دفع تكاليف عالية, ودون حاجة إلى الالتزام بمعايير وضوابط شديدة من الصعب جدا الالتزام بها على المدى البعيد.