السياحة الداخلية .. من يدفع الثمن؟
ها نحن على أعتاب العطلة الصيفية وكثيرون يتطلعون إلى قضاء إجازاتهم في سياحة داخل الوطن أو خارجه. قرار السفر إلى وجهة سياحية بعينها دون غيرها مرتبط بمستوى جاذبية المكان ترفيهيا وقيمته ثقافيا وتكلفته اقتصاديا. الأفراد يقومون بالمفاضلة بين المنفعة التي يحصلون عليها من الريالات التي ينفقونها في هذا المكان السياحي أو ذاك. وهنا يبرز السؤال: إلى أي مدى تستطيع السياحة الداخلية منافسة السياحة الخارجية؟ لا شك أن ذلك يعتمد على المعايير التي يبني السائح عليها قراره في السفر, فالبعض يرغب في الترفيه, والبعض في استكشاف ثقافة مجتمع, أو السفر من أجل الرعاية الصحية أو حضور مؤتمر أو معرض, ولربما كان معياره الأول مستوى التكلفة, وهكذا. قد يجمع البعض على أن بلدا معينا يحقق معظم هذه المعايير ليجتذب السياح بمختلف أنواعهم ومشاربهم, وهذا يعكس إمكانات ذلك البلد, ليس الطبيعية كما يظن البعض, بل القدرة على تهيئة المكان وتوفير خدمات تلبي احتياجات السياح. وقد تكون من أهمها ثقافة الترحاب, بحيث يشعر السائح بأنه محترم ومقدر, والأهم أنه يحصل على خدمة متميزة مقابل ما يدفعه من تكلفة. وهذا ما يميز المنتج السياحي, إذ إنه يخلق الطلب وليس العكس, أي أن المنتج السياحي يوجد نمطا جديدا من الاستهلاك يجتذب المستهلكين لم يكن موجودا من قبل. وهذا يسمى في مجال التسويق خلق التميز الذي هو أساس القدرة على المنافسة. لكن كيف السبيل لتحقيق هذا التميز ومن يفترض أن يقوم به؟ لا شك أن للسياحة تأثيرا إيجابيا يشمل معظم فئات المجتمع, مستهلكين ومستثمرين, ما يجعلها تأخذ صفة العمومية, وبالتالي يقع على عاتق الدولة تطوير القطاع وقيادته وتحفيز المشاريع الخاصة. قطاع السياحة مكتنز بالإمكانات والفرص والعوائد الاقتصادية المجزية, فهو الأكثر قدرة ومواءمة لمعالجة الفقر وتحقيق التنمية المتوازنة عبر توفير الفرص الاستثمارية والوظيفية سواء المؤسسية أو حتى المبادرات الفردية الشخصية. السر في ذلك يعود إلى طبيعة صناعة السياحة المتنوعة والمتعددة والمتشابكة والمنفتحة على الجميع، فهي لا تقتصر على فئة اجتماعية دون أخرى، فالاستثمارات السياحية تتفاوت في مستوياتها من البسيطة التي لا تتطلب أموالا طائلة كما في الحرف اليدوية إلى الاستثمارات الضخمة مثل المنتجعات والفنادق. هذا التشابك والعلاقة المتداخلة بين جميع العاملين في قطاع السياحة وتقاطع مصالحهم يؤدي إلى نمو اقتصادي تراكمي وتأثيرات متبادلة ومتتابعة في الإنتاج، فزيادة الطلب على إحدى الخدمات السياحية تقود إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات الأخرى في الاقتصاد المحلي, وبالتالي الارتقاء بالتنمية المحلية. وإذا كان الفقر مسألة نسبية وتتفاوت بين المناطق الحضرية والريفية, فإن معالجته تتطلب جهودا وحلولا محلية تتفق كل حالة مع ظروفها ومعطياتها، لذا فإن الدفع بالتنمية المحلية وتمكين سكان المناطق والمحافظات بأخذ زمام المبادرة في البحث عن فرص اقتصادية وجذب الاستثمارات وتطوير اقتصادياتهم المحلية, أمر في غاية الأهمية. وهنا تلعب السياحة دورا مهما في التنمية كونها في الأساس مرتبطة بالمحليات وتعتمد بشكل كبير على السكان وحرصهم على جعل مناطقهم ومحافظاتهم أكثر جذبا للسياح, وهو ما يعود بالنفع على الاقتصاد المحلي بجلب أموال من خارجه، ما يؤدي إلى زيادة الدخل المحلي للمدينة. لذا فالسياحة في حقيقتها قطاع تصدير, وهي بكل تأكيد مفتاح التنمية المحلية. وهنا تجدر الإشادة بالهيئة العامة للسياحة والآثار في انتهاجها مبدأ اللامركزية والمشاركة والدعم والمساندة لمساعدة المجتمعات المحلية على استكشاف إمكاناتها وبناء قدراتها ودفعها نحو خوض تجربة العمل السياحي بكل أبعادها ليتكون لديها رصيد ثقافي ومعرفي وإلمام بأساليب تقديم منتجات سياحية مميزة تضعها في موقع تنافسي وقدرة على مقارعة الآخرين والنجاح في جلب الأموال لمدينتها, ما يؤدي إلى تحسين مستوى معيشة الأفراد. السياحة ذات تأثيرات متشعبة ومتعددة ومتوالية يستفيد منها الجميع, وتوسع دائرة الاقتصاد المحلي، هذه حقيقة، فزيادة عدد السياح تعني زيادة الطلب على جميع الخدمات في المنطقة أو المدينة. هذه الخاصية الاجتماعية لقطاع السياحة هي ما يجعله قطاعا سريع النمو والتطور, وفي الوقت ذاته آلية فاعلة لتوزيع الدخل يضمن استفادة جميع سكان المدينة من إنتاجيته.
ومع هذه الإمكانات والفرص الكبيرة التي تقدمها صناعة السياحة إلا أنها ما زالت تقبع في ذيل قائمة أولويات الأجندة الحكومية في الدعم والمساندة ولم ترتق بعد إلى الأولوية والمكانة التي حظي بها قطاعا الصناعة والزراعة. هناك إجماع على أهمية السياحة للاقتصاد الوطني إلا أنه ما زال هناك قصور في دعمها، لذا لا يمكن أن نتوقع أن تنافس السعودية مناطق أخرى في المنطقة إلا إذا بذلت الجهد والمال نفسيهما اللذين بذلتهما تلك الدول المنافسة في تطويرها. هناك تكلفة لكل مشروع وإذا لم يتم تأمين المدخلات اللازمة لا يكتمل ولا يكون بوسعه الإنتاج، فليس هناك أنصاف حلول, فإما دعم كامل لتطبيق الاستراتيجية الوطنية للسياحة وإلا فلا! القضية تتعلق بالمصلحة العليا للوطن ليس في مواجهة التحديات الراهنة وحسب، إنما الإعداد لحقبة ما بعد النفط التحدي الأكبر. وهذا أمر في غاية الأهمية قد لا يدركه البعض ولا يحتل أهمية خاصة لأولئك الذين لا يملكون بعد نظر وتسيطر عليهم القضايا الملحة والطارئة.
البعض يعتقد أنه بمجرد إنشاء الهيئة العامة للسياحة والآثار أصبحت لدينا سياحة! وهذه مغالطة كبيرة منبعها التفكير البيروقراطي الضيق. قد تكون الهيئة الجسر الذي تعبر عليه السياحة الداخلية إلى آفاق أوسع وأرحب ومستوى أنضج وبكفاءة وفاعلية تجعلها أكثر جاذبية، لكن بشرط دعمها رسميا وشعبيا دعما يضمن نجاحها. ولئن كانت الهيئة كمؤسسة منوط بها إدارة قطاع السياحة ووضع الأطر العامة والتنسيق بين الفاعلين والمهتمين, إلا أنها لن تستطيع تحقيق الإنجاز دون مشاركة فاعلة ودعم كامل من الجميع. المشكلة التي تعانيها السياحة الداخلية هي الموسمية وما يتبعها من ارتفاع تكاليف الإيواء السياحي وانخفاض مستوى الخدمات السياحية والنقل والافتقار إلى ثقافة الترحاب. وهذا يحتم بذل المزيد لنجاح المشروع الوطني للسياحة وجعله أكثر جاذبية، على سبيل المثال لنجاح السياحة الداخلية يلزم دعم خدمات قطاع الإيواء والمشاريع السياحية ماليا لخفض الأسعار وجعلها في متناول جميع شرائح السياح، وأن تتم إعادة هيكلة الإجازات الدراسية بحيث تشجع السياحة على مدار العام وتقضي على مشكلة الموسمية، وتوفير خدمات ممتازة في محطات الطرق والعمل على نشر ثقافة الترحاب, كل ذلك يستدعي تكاليف .. فمن يدفع الثمن؟ التجربة الوطنية تقول إن الدولة تتكفل بذلك وتبادر! فقد أسهمت في تطوير قطاعي الصناعة والزراعة عبر إنفاق سخي فاجتذبت إليهما الاستثمارات الخاصة, وشجعت على الدخول في القطاعين بعدما كان قطاعا التجارة والعقار يسيطران على الاستثمارات المحلية .. فهل يحظى قطاع السياحة بالدعم ذاته وتتكفل الدولة بتهيئة السبل لنجاحه؟