رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأزمة في منطقة اليورو وتداعياتها على الاقتصاد السعودي

العالم كله يضع يده على قلبه خوفا من تفاقم الأزمة المالية التي تتعرض لها اليونان, بل يخشى المراقبون أن تتطور أزمة اليونان الاقتصادية إلى أزمة مالية تشمل إسبانيا والبرتغال وأيرلندا, التي دخلت فعلاً في وحل الأزمة حتى باتت الأزمة تتهدد منطقة اليورو بأكملها.
دعونا نتخيل أحد السيناريوهات المتشائمة التي يتوقعها بعض الخبراء, وهو سيناريو يتوقع تصدعا واسعا في منطقة اليورو بأكملها, بل تهديدا مباشرا يتهدد وجود الاتحاد الأوروبي بكل مؤسساته .
إن جوهر المشكلة يكمن في ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي وعجز الموازنات العامة في معظم دول الاتحاد الأوروبي, خاصة اليونان التي تجاوز فيها الدين العام نسبة 100 في المائة, وفى هذا مخالفة صريحة للاتفاقيات الموقعة من قبل دول الاتحاد الأوروبي, لذلك كانت ألمانيا في البداية لا تشجع على فكرة قيام دول الاتحاد الأوروبي بتحمل مسؤولياتها ودعم اليونان وحمايتها من الإفلاس, بل قالت ميركل إن السياسيين اليونانيين أخطأوا والمطلوب منهم أن يتحملوا هم بالدرجة الأولى مسؤولية تصحيح أخطائهم, لكن ميركل ما لبثت أن تراجعت حينما عرفت أن المصيبة لا تخص اليونان فقط, بل ستعم وتشمل كل الاقتصاد الأوروبي بدءاً بانخفاض ملحوظ في سعر صرف اليورو ثم يتبع ذلك تدهور للعملة الأوروبية وبالتالي تدهور الاقتصاد الأوروبي بصورة شاملة.
لذلك سعت ألمانيا مع صندوق النقد الدولي إلى وضع خريطة طريق لإصلاح الاقتصاد اليوناني تتضمن إقراض الخزانة اليونانية بمبلغ يقترب من المليار ونصف المليار دولار لتمكينها من تسديد التزاماتها المالية وتنفيذ سياسة تقشفية تشمل خفض الرواتب مع فرض ضرائب جديدة وإصلاح الأنظمة التقاعدية وخفض ملحوظ في الإنفاق الحكومي, وغير ذلك من الأمصال الاقتصادية المؤلمة التي أدت إلى انفجار الشارع اليوناني في وجه هذه الإصلاحات, لكن لم يكن أمام الحكومة اليونانية خيار إلاّ المضي قدماً في تنفيذ التزاماتها لإنقاذ اليونان من الإفلاس.
إن عدم التزام اليونان بتعهداتها أمام صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي سيقود اليونان إلى الإفلاس, وفي هذا خطر ليس على اليونان فحسب, إنما خطر يتهدد مجمل المشروع الاقتصادي الأوروبي.
إن ما يحدث في الاقتصاد اليوناني وما يحدث في منطقة اليورو يعد أزمة مالية يمكن أن تكون بمثابة مرحلة جديدة من الأزمة المالية العالمية التي ستنعكس نتائجها سلباً على مجمل أداء الاقتصاد العالمي.
وإذا كانت دول الخليج قد جعلت من الوحدة النقدية الأوروبية مثلا يحتذى وتقف الآن في المراحل النهائية لمشروع الوحدة النقدية الخليجية, فإن أزمة منطقة اليورو تستوجب من دول الخليج إعادة مراجعة المشروع وعدم الاستعجال في اتخاذ الخطوة الأخيرة في تنفيذ مشروع الوحدة النقدية.
دعونا نفترض أن مشروع الوحدة النقدية والعملة الخليجية الموحدة قد تم تنفيذه, ثم فوجئ المجلس بأزمة من العيار الثقيل, وهي أزمة دبي المالية, وهذه الأزمة لو حدثت ومشروع الوحدة النقدية قائم, فإنها ستكون بمثابة الصدمة لنظام العملة الموحدة.
إذن أمامنا تجربة الاتحاد الأوروبي التي تستوجب التوقف والحذر وأخذ العبرة والرجوع مرة أخرى إلى دراسة المشروع من جديد, ولا سيما أن دول الخليج ست دول وليست 26 دولة.
وإذا كانت مؤسساتنا الاقتصادية قد نجحت في خفض تأثير الأزمة المالية العالمية التي اندلعت من الولايات المتحدة في أيلول (سبتمبر) 2008 إلى أدنى درجة ممكنة, إلاّ أن الأزمة المالية التي اندلعت من اليونان الأوروبية مرشحة أن تنتشر في كل دول الاتحاد الأوروبي, ولذلك ستكون تأثيراتها السلبية في الاقتصاد الخليجي بعامة والاقتصاد السعودي بصورة خاصة أكثر حدة, لأسباب كثيرة منها أنها الأزمة الثانية بعد أزمة عنيفة اجتاحت الاقتصاد الخليجي في مفاصل عديدة, والاقتصاد الذي تحمل تبعات الأزمة الأولى ستنخفض كفاءته في مواجهة الأزمة الثانية, كما أن التجارة السعودية مع دول الاتحاد الأوروبي تحتل الحيز الأكبر من التجارة الخارجية السعودية بحيث تصل إلى نحو 40 في المائة, بينما التجارة مع الولايات المتحدة لا تتعدى 27 في المائة, ولذلك من المتوقع أن تكون الأضرار التي ستنعكس على الاقتصاد السعودي بحجم هذه النسبة العريضة. ومن ناحية أخرى فإن القطاع الخاص السعودي سيدفع ثمن هذه الأزمة, وبالذات بالنسبة للسعوديين الذين لهم باع طويل في سوق اليورو المرشح للانخفاض.
إن سياسة الانكماش الاقتصادي التي ستنفذها دول الاتحاد الأوروبي للخروج من أزمة الديون سيترتب عليها انخفاض ملحوظ في صادرات المملكة إلى دول الاتحاد الأوروبي, وينتظر أن يؤدي هذا الانخفاض إلى عدم استقرار سعر صرف اليورو مقابل العملات الدولية الرئيسة خاصة الدولار, وهو ما يعني تذبذب فاتورة الواردات السعودية, لكن ــ من ناحية أخرى ــ فإن تراجع قيمة اليورو سيترتب عليه انخفاض أسعار السلع والخدمات في أسواق الاتحاد الأوروبي وبالتالي زيادة الطلب عليها, بينما تفرز هذه النتيجة انخفاض الطلب على البترول, بل شهدت سوق البترول تراجعاً ملحوظاً في سعر برميل البترول الذي هبط بالفعل في 20 أيار (مايو) 2010 إلى 70 دولاراً بعد أن تجاوز السعر 80 دولارا.
وبما أن الأزمة في بداياتها ولم يعرف مدى نجاح الاتحاد الأوروبي في تطبيق روشتة الإصلاح, فإنه يصعب استعراض كل الجوانب السلبية التي ستؤثر في مسيرة الاقتصاد الوطني, لكن مع تقادم الأيام سيتضح كثير من المشاهد والنتائج.
هذه جوانب بسيطة من النتائج السلبية المتوقعة التي ستنعكس على الاقتصاد السعودي ــ لا سمح الله ــ نتيجة الأزمة المالية الأوروبية, التي نرجو أن يوفق الأوروبيون في تطبيق روشتة الإصلاح توخيا لتجنيب منطقة اليورو كارثة قد تؤدي إلى تصدع المشروع الأوروبي برمته وإلحاق أضرار بالغة بالاقتصاد العالمي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي