قمة العشرين .. هل الحلول تتناسب مع تشخيص الأزمة المالية؟
انعقدت قمة العشرين في هذه الدورة في تورنتو بحضور قادة دول العشرين, التي تقود دفة الاقتصاد العالمي بعد تجدد للأزمة المالية، بفعل آثارها التي لم تنته بعد، حيث ما زال عدد من دول العالم يعاني هذه الآثار ولديه قلق فيما يتعلق بمستقبل الديون، إذ إنه في ظل النظام المالي العالمي الحالي فإن مسألة الديون تزداد تعقيدا مع الزمن، إذ إنها تعتمد الفائدة على التأخير, وبالتالي تستمر هذه الديون في التعاظم إلى أن تصل إلى مستويات لا يمكن معها السداد، وهذا ما حصل سابقا بشكل متراكم على دول كثيرة من دول ما يسمى العالم الثالث، وبعض هذه الدول رغم الثروات الطبيعية التي تنعم بها إلا أنها ما زالت تشهد أزمة هذه الديون، التي ترتب عليها أن هذه الدول لم تتمكن في بعض الأحيان من سداد خدمة الدين, وهي الفائدة السنوية, فضلا عن سداد الدين بالكامل.
الذي يظهر أنه تم التركيز في هذه القمة على ضبط النظام المصرفي لدى البنوك في العالم، وزيادة التشديد في مسألة الاحتياطيات والإقراض، كما أنها طالبت الدول بخفض الديون السيادية إلى مستويات أقل من الحالية.
هذه الإجراءات ـ كما يرى المحللون - بطبيعة الحال ستسهم بشكل طبيعي في تقليص السيولة في الأسواق, وهو ما يشكل قلقا كبيرا، حيث إن جزءا من آثار الأزمة الحالية شح السيولة في الأسواق, الذي تسبب في ضعف حركة البيع والشراء والإقراض للشركات، وبالتالي سيؤدي إلى نوع من الكساد العام، الذي ينعكس بدوره على سوق العمل, ويؤدي إلى زيادة مستويات البطالة في المجتمع، وهذا ما يشكل أزمة لأي حكومة من الحكومات القائمة. والحقيقة أنه لا يمكن أن ندعي أن المالية الإسلامية بتطبيقاتها المعاصرة قادرة على معالجة هذه الأزمة، إذ إن المؤسسات المالية الإسلامية في شكلها الحالي ما هي إلا مؤسسات تبحث عن بدائل للنموذج التقليدي بالمواصفات الموجودة فيه نفسها، ولعل ما حد من آثار هذه الأزمة فيها أن هيئاتها الشرعية لم تسوغ لها الدخول في المشتقات المالية، والاستثمار في سوق الرهن العقاري، ولو أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قدر أن هذه الأزمة تأخرت ولو قليلا لوجدنا أن بعض هذه المؤسسات قد أوجدت لها تسويغا للدخول إلى هذه القطاعات بأدوات يمكن أن تقول عنها إنها صيغ متوافقة مع الشريعة.
الصورة الحالية لكثير من المؤسسات والأدوات المالية المتوافقة مع الشريعة لا يمكن أن يقال إنها في منأى عن الأزمة المالية الحالية، وسعي دول كثيرة في العالم إلى تفعيل التمويل الإسلامي لديها ليس دائما بسبب قناعة بنجاح هذا النمط من الاستثمار, بل في كثير من الأحيان بغرض الحصول على السيولة التي تزخر بها منطقة الخليج نتيجة لتدفقات عوائد النفط.
والحقيقة أنه من خلال الاستفادة من مبادئ الاقتصاد الإسلامي، سواء على مستوى الأفراد أو حتى الدول نجد أن هناك عددا من الحلول التي يمكن أن تكون علاجا بشكل مؤقت، وأخرى يمكن أن يكون لها دور في التنمية على المستوى البعيد، فمن تلك الحلول التي أشار إليها عدد من خبراء الاقتصاد الإسلامي ـ منهم الدكتور سامي السويلم في محاضرة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ـ أن مسألة إنظار المعسر تعد حلا مؤقتا لتجاوز الأزمة, وهو الذي جاء في قوله تعالى: «وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة» (البقرة: 280)، وبطبيعة الحال إنظار المعسر يعد في مصلحة طرفي العلاقة في الدين, إذ إن استمرار تراكم الديون لن يجعل المدين قادرا على السداد, وبالتالي سيتضرر الدائن بسبب ذلك، لكن لو صبر قليلا على المدين لاستطاع السداد بشكل جزئي في كل فترة، إلى أن يتم سداد الدين بالكامل. كما أن ذلك من شأنه ألا يحدث مزيدا من الكساد في المجتمع، في حين أن النمط السائد في هذه القضية أن المدين يبحث عن دائن آخر إلى أن تتراكم الديون، وتقرر بعد ذلك مؤسسات التصنيف الائتماني انخفاض تقييم الدولة الائتماني فتمتنع الدول عن إقراضها ويؤثر في عمليات التبادل التجاري مع دول أخرى فتصبح أزمة تنعكس على مستوى المعيشة، وتشكل استمرارا لأزمة يصعب الخروج منها.
أما بالنسبة للاقتصاد الإسلامي ودوره في عدم حدوث أزمات بهذا المستوى من الحدة, فإنه يعتمد التضييق في مسألة الإقراض إلى درجة ألا يكون الإقراض إلا بعد احتياج حقيقي له، إذ إن الاقتراض في حد ذاته أمر غير مرغوب فيه شرعا، حيث كان يستعيذ المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الدين، ويؤكد دائما على المسارعة في قضائه قبل أن تأتي المنيّة.
كما أن عملية التركيز على الأدوات الاستثمارية التي تحقق تنمية فعلية في الاقتصاد الحقيقي من خلال تحفيز الاستثمار في هذا القطاع الذي يمثل فعلا النمو الحقيقي ودورة حقيقية ومفيدة للثروة يستفيد منها عدد أكبر من المجتمع، بدلا من الاستثمار في القطاع المالي، الذي يؤدي إلى دورة وهمية للمال, وبالتالي الإضرار بالمجتمع ويؤثر في القطاع الحقيقي للاقتصاد، وهو القطاع الذي يعتمد عليه فعليا في التنمية.
هذه فقط إشارات إلى ما يمكن الاستفادة منه من مبادئ الاقتصاد الإسلامي في علاج هذه الأزمة، أما الاستمرار بالأدوات السابقة نفسها مع مزيد من التشدد على القطاع المالي فما هو إلا استمرار في توفير البيئة التي تسهم في تجدد الأزمة مستقبلا.