عضوية المملكة في مجموعة العشرين تعزز مكانتها

تأسست مجموعة العشرين في نهاية القرن الماضي, وذلك لتنسيق السياسات المالية والنقدية في أهم الاقتصادات العالمية والتصدي للتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي. وكان تأسيسها اعترافا بتصاعد أهمية وتعاظم أدوار الدول الصاعدة في الاقتصاد والسياسات العالمية وضرورة إشراكها في صنع القرارات الاقتصادية الدولية. وكانت اجتماعات المجموعة تقتصر على وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية، لكن نشوب الأزمة المالية العالمية عام 2008 وشبح انهيار الاقتصاد العالمي استدعيا ضرورة إشراف قادة هذه الدول على برامج ومباحثات المجموعة. وعقد أول اجتماع لقادة دول المجموعة في نهاية عام 2008، وظهر ثقل هذه المجموعة وأهميتها إبان أسوأ أزمة مالية واقتصادية عصفت بالعالم منذ الكساد العظيم. ونجحت دول المجموعة حتى الآن في التصدي للأزمة المالية العالمية وآثارها المدمرة في الاقتصاد العالمي. وعقدت دول المجموعة عدة اجتماعات إبان الأزمة المالية تمخضت عن اتفاق حكومات الدول الأعضاء على تبني سياسات التحفيز المالي لمواجهة الأزمة، وعلى إصلاح النظام المالي العالمي بما في ذلك زيادة التعاون في وضع التنظيمات المالية وإصلاح المؤسسات المالية الدولية وتشجيع التعاون الإقليمي وتحسين أنظمة صرف العملات.
وكان التغلب على آثار الأزمة المالية العالمية يفوق جهود أي دولة بمفردها، ويتطلب تنسيق وتضافر الجهود العالمية وتزامنها للحد من مخاطر الكساد العالمي الذي كان يلوح في الأفق ويهدد الأمن والاستقرار الدوليين. وتملك دول مجموعة العشرين ثقلاً اقتصادياً ضخماً تستحوذ فيه على 87.3 في المائة من الناتج المحلي العالمي في عام 2008، كما يقيم في دول المجموعة ثلثا سكان العالم، وتوجد في المجموعة الدول الرئيسة المقترضة وكذلك كبار المقرضين في العالم. وبهذا فإن دول المجموعة تستطيع السيطرة على عمليات الائتمان العالمية سواءً من قبل المقرضين أو المقترضين. وتسيطر دول المجموعة على صنع السياسات الاقتصادية والنفوذ السياسي في العالم، كما تملك دول المجموعة العمق الاستثماري والمالي والأسواق المالية الرئيسة وكبريات الشركات الصناعية والمصارف التجارية. وتملك دول المجموعة أهم أنظمة المعرفة وتطوير التقنية، ومراكز النمو، وتحدد بنوكها المركزية السياسات والعلاقات النقدية الدولية، وأسعار صرف أهم العملات العالمية.
ونظراً لأن الأزمة المالية العالمية بدأت كأزمة ائتمان في كبار الاقتصادات, التي تحتاج تخطيها ضرورة تعاون الدول الرئيسة المقرضة والمقترضة في العالم فقد وفر هذا التجمع نادياً للمقرضين والمقترضين في الوقت نفسه، وقلما يحدث تجمع يجمع بين طرفي النقيض في الشؤون المالية. وما لم تحل الأزمة المالية العالمية بين الأطراف الرئيسة داخل المجموعة فإن حلها خارج المجموعة يبدو صعباً وغير ممكن.
ودخول المملكة كعضو في أكبر مجموعة اقتصادية في العالم اعتراف ضمني بأهمية المملكة الاقتصادية ليس في الوقت الحاضر فقط, إنما في المستقبل أيضاً. وتعطي العضوية في هذه المجموعة المملكة قوة ونفوذاً سياسياً واقتصادياً ومعنوياً كبيراً، ويجعلها طرفاً مؤثراً في صنع السياسات الاقتصادية العالمية التي تؤثر في اقتصاد المملكة واقتصادات دول المنطقة. وعضوية المملكة في مجموعة العشرين جاءت نتيجةً لارتفاع أهميتها كمصدر ومسعر للطاقة العالمية التي تهم جميع دول العالم، كما جاء نتيجةً لارتفاع حجم تجارتها الدولية وتأثير ذلك على دول العالم، كما جاء نتيجة لارتفاع مواردها المالية, التي من المتوقع أن تزداد في المستقبل، وتزيد من أهمية المملكة في الاقتصاد العالمي. ولهذا فإن السياسات الحكومية في المملكة لا تؤثر في اقتصاد المملكة فقط، إنما لها تأثير واضح وواسع في المستوى العالمي، حيث تؤثر في نشاط الاقتصاد العالمي من خلال تأثيرها في التجارة العالمية ومن خلال التحويلات إلى الخارج وسياسة الاستثمار في الأوراق المالية العالمية. وتجاوبت المملكة مع طلبات رفع الإنفاق المالي ورفعت الإنفاق بقوة خلال الأزمة المالية العالمية بداية من عام 2008 مروراً بعام 2009 حتى عام 2010. وساعدت سياسة المملكة المالية التوسعية الاقتصاد العالمي على تخطي المعضلة المالية العالمية وتخطي كابوس حدوث كساد اقتصادي عالمي. كما ساعدت سياسة تسعير النفط المعتدلة التي تتبناها المملكة على عدم إعاقة عودة النمو إلى الاقتصاد العالمي. وإضافة إلى ذلك نسقت المملكة مع باقي الدول الأعضاء سياستها النقدية مخفضةً معدلات الفائدة، ودعمت المصارف التجارية إبان الأزمة المالية العالمية، ما أنقذ النظام المصرفي المحلي وأسهم في إنقاذ النظام المصرفي العالمي وحال دون حدوث كارثة مالية عالمية. وساعد رفع الإنفاق على المشاريع في المملكة على استقدام مزيد من العمالة الأجنبية وعلى رفع التحويلات للعالم الخارجي ممكناً عديدا من الدول النامية من تخطي آثار الأزمة المالية العالمية.
لقد استفادت المملكة من عضويتها في المجموعة من خلال رفع تأثيرها في صنع السياسات الاقتصادية العالمية التي تتم ضمن مجموعة العشرين. من جهة أخرى، تتحمل المملكة نتيجةً لعضويتها في المجموعة مسؤوليات كبيرة تجاه الاقتصاد العالمي، وعليها إعطاء العالم مزيدا من الأهمية عند صياغة سياستها الاقتصادية. ولا تولي المملكة أهمية أكبر لاستقرار الاقتصاد العالمي فقط لدواعي الطيبة والسذاجة، لكن لأن هذا عند النهاية يصب في مصلحتها. ويخدم استقرار الاقتصاد العالمي ونموه مصالح المملكة ويرفع الطلب على منتجاتها, التي أهمها النفط, ما يعزز مكانتها وأهميتها ويحقق مزيدا من المنافع لمواطنيها.
ومن النتائج الإيجابية لعضوية المملكة في هذه المجموعة توفير قنوات اتصال دورية بكبار صناع السياسات المالية والاقتصادية العالمية, ما يعزز التعاون الثنائي مع الدول الرئيسة المهمة في العالم. كما رفعت عضوية المملكة في هذه المجموعة من أهمية توفير مزيد من الشفافية والمعلومات والبيانات المالية والاقتصادية المتعلقة بالمملكة أسوة بدول العالم المتقدم. ومن المتوقع أن تؤدي عضوية المملكة في المجموعة إلى ضرورة تنسيق وإصلاح بعض السياسات في عدد كبير من المجالات المالية والاقتصادية، ما سيدفع إلى مزيد من التطوير للقطاعات المالية والاقتصادية ويصب في نهاية المطاف في مصلحة المملكة واقتصادها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي