مستقبل إمدادات النفط من الحقول البحرية بعد حادثة خليج المكسيك
في مقال سابق حول الموضوع نفسه أشرنا إلى أن الإنتاج من الحقول البحرية، خاصة تلك التي في المياه العميقة، برز كواحدة من أهم ركائز نمو إمدادات النفط العالمية. هذا الاتجاه في النمو ما زال متوقعا، لكن تداعيات الحادث الأخير في خليج المكسيك يمكن أن تبطئ عملية التطوير لبعض الحقول. في هذه المقالة سنحاول الإجابة عن التساؤلين التاليين: إلى أي مدى ستتأثر إمدادات النفط العالمية من الحقول البحرية العميقة نتيجة حادث البئر Macondo على المديين المتوسط والطويل؟ وما أثر ذلك في إمدادات النفط العالمية؟
الكثير سيعتمد على نتائج التحقيقات الجارية لمعرفة سبب التسرب، لكن من المؤكد حاليا أن مشاريع المياه العميقة، التي تعد عنصرا أساسيا في نمو الطاقات الإنتاجية العالمية في المستقبل، ستكون أبطأ نوعا ما وأكثر تكلفة نتيجة لذلك. تعريف المياه العميقة يختلف من مصدر إلى آخر، لكن عادة 400 متر أو 1300 قدم، هو الخط الفاصل بين المياه الضحلة والعميقة، في حين حقول المياه العميقة جدا تبدأ من 1500 متر أو خمسة آلاف قدم.
إنتاج النفط بكميات كبيرة من حقول المياه العميقة بدأ منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، الفضل في ذلك يعود إلى حدوث طفرة نوعية في عدد من التقنيات المهمة، بما في ذلك سفن الحفر المتقدمة، طرق المسح الزلزالي المتقدمة والتصوير، الغواصات التي تدار عن بُعد لتحل محل الغواصين في المناطق العميقة جدا، المضخات متعددة الأطوار، وغيرها. خزانات الإنتاج والتخزين والتفريغ العائمة FPSO التي تستخدم في المياه الضحلة تعد هي الأخرى خيارا طبيعيا لحقول المياه العميقة، على الرغم من أن أول منشأة من هذا القبيل التي تعتزم شركة بتروبراس البرازيلية بناءها في خليج المكسيك، لن تكون جاهزة قبل عام 2011, لكن حادثة البئر Macondo ربما تؤثر في هذا التوقيت.
أهمية حقول المياه العميقة تكمن في حجم الإمدادات الذي توفره، حيث نحو ستة إلى 6.5 مليون برميل يوميا من النفط يتم إنتاجه في العالم حاليا من حقول المياه العميقة، أي ما يقرب من نحو 10 في المائة من إنتاج النفط الخام في العالم (باستثناء السوائل الأخرى) أو نحو 28 في المائة من إنتاج النفط الخام في الدول من خارج منظمة أوبك Non - OPEC. قبل حادثة خليج المكسيك الأخيرة، كان من المتوقع أن يصل الإنتاج العالمي من حقول المياه العميقة إلى نحو 8.5 مليون برميل يوميا بحلول عام 2015، بعض التوقعات المتفائلة كانت تشير إلى أكثر من تسعة ملايين برميل يوميا. 17 بلدا تنتج النفط حاليا من حقول في المياه العميقة، كما أن هناك نحو 30 بلدا آخر من المحتمل أن تبدأ في الإنتاج من الحقول العميقة أيضا. من أقوى المرشحين: كندا، المكسيك، غانا، سلطنة بروناي، جزر فارو, وأيرلندا.
البرازيل تحتل مركز الصدارة في إنتاج النفط من المياه العميقة، حيث أنتجت نحو 1.5 مليون برميل يوميا خلال العام الماضي من نحو عشرة حقول، معظمها في حوض كامبوس، من المتوقع أن يرتفع الإنتاج في السنوات القليلة المقبلة نتيجة بدء الإنتاج من حقل توبي Tupi والحقول المحيطة به في حوض سانتوس. الولايات المتحدة تأتي في المرتبة الثانية بعد البرازيل، لديها حاليا أكثر من 100 حقل نفطي في المياه العميقة، في عام 2009 أنتجت هذه الحقول نحو 1.3 مليون برميل يوميا. في حين غرب إفريقيا تعد ثالث أكبر منطقة في إنتاج النفط من المياه العميقة، حيث تملك أنجولا ونيجيريا مجتمعتين نحو 25 إلى 30 حقلا في المياه العميقة، من المتوقع أن يستمر التوسع في المستقبل. أما في منطقة بحر الشمال، هناك أربعة حقول منتجة فقط في المياه العميقة، جميعها على طول ساحل المحيط الأطلسي للمملكة المتحدة والنرويج. كما أن للنرويج نحو عشرة حقول نفطية أخرى قريبة من تعريف حقول المياه العميقة. في آسيا تنتج ماليزيا، إندونيسيا، أستراليا، الفلبين وأخيرا الهند النفط من حقول في المياه العميقة، كما تعمل هذه البلدان في التوسع في هذا المجال للتعويض عن انخفاض الإنتاج من حقول المياه الضحلة.
إن حادثة البئر Macondo ستكون لها آثار في مستقبل عمليات الحفر والتنقيب في المياه العميقة في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى من العالم. في الوقت نفسه ليس من المحتمل أن تؤدي هذه الحادثة إلى توقف العمليات أو ابتعاد الصناعة عن حقول المياه العميقة بالكامل، لكن سيترك هذا الحادث بالتأكيد آثارا كبيرة. على سبيل المثال، هناك تحليلات تشير إلى أن استمرار توقف عمليات الحفر في المياه العميقة لخليج المكسيك، سيحرم الولايات المتحدة من 100 ألف برميل في اليوم من الإمدادات الجديدة، وفي حالة استمرار التوقف سنة كاملة وانخفاض نشاط الحفر والتنقيب بضع سنوات لاحقة، من المتوقع أن يكلف الولايات المتحدة نحو 300 ألف برميل في اليوم من الإمدادات. هذا وبدأت فعلا شركات النفط والغاز في إغلاق 33 حفارة تنقيب في المياه العميقة في الشهر الماضي بعد قرار الرئيس الأمريكي فرض وقف على عمليات تطوير آبار المياه العميقة الجديدة في خليج المكسيك لمدة ستة أشهر.
إضافة إلى خليج المكسيك ستتأثر المناطق الأخرى من العالم أيضا بدرجة أو بأخرى، حيث ستكون مناطق المياه العميقة في وضع حرج جراء تردد البلدان في منح التراخيص أو عزوف الشركات عنها باعتبارها مناطق خطرة, خصوصا عند إضافة المخاطر التقنية والتنظيمية إلى المالية والجيوسياسية. إذا ما افترضنا أن المناطق الأخرى من العالم ستتأثر بصورة أقل من الولايات المتحدة، فإن الإمدادات العالمية من النفط من حقول المياه العميقة ستفقد نحو 0.5 مليون برميل يوميا من الطاقات الإنتاجية على مدى السنوات الخمس المقبلة مقارنة بالتوقعات السابقة، نتيجة التسرب النفطي من البئر Macondo. من شأن أي تباطؤ في البرازيل وغرب إفريقيا أن يزيد من هذا التوقع، في حين أن أثر التباطؤ في دول أخرى مثل المملكة المتحدة والنرويج سيكون محدودا.
في هذا الجانب أيضا، تشير توقعات الوكالة الدولية للطاقة IEA إلى أن تأثير الحادث على المدى القريب محدود جدا، لكن على المدى المتوسط إذا تأخرت عمليات تطوير الحقول البحرية الجديدة في الولايات المتحدة لمدة عام أو عامين، الأثر في الإنتاج سيكون في حدود 100 ألف إلى 300 ألف برميل يوميا بحلول علم 2015. أما على المستوى العالمي، فتشير توقعات الوكالة الدولية للطاقة IEA إلى أنه في حالة قيام دول أخرى مثل أنجولا والبرازيل ودول بحر الشمال بإيقاف بعض عمليات التطوير الجديدة في المياه العميقة مع تأخير لمدة عام أو عامين، أثر ذلك في إنتاج النفط العالمي قد يكون من 800 ألف إلى 900 ألف برميل يوميا بحلول عام 2015.
لكن، هذا لا يعني أن التوازن بين العرض والطلب على النفط سيختل في المستقبل لمصلحة الطلب، حيث إن حادث خليج المكسيك يؤثر أيضا في جانب الطلب. كون الحكومات ستدفع بقوة على تشجيع استخدام الطاقات الجديدة والمتجددة وعدم تشجيع استخدام النفط. في هذه الحالة من المتوقع أن ينخفض الطلب على النفط جراء هذه السياسات الصارمة بملايين عدة من البرميل يوميا، وهو ما يتجاوز بكثير تأثير الحادث في جانب العرض. إضافة إلى ذلك، قد يسرع هذا الحادث من تطوير مصادر النفط غير التقليدية, خصوصا من الرمال النفطية في أمريكا الشمالية. لذلك قد يكون هناك مزيد من النمو في الرمال النفطية وغيرها من مصادر الإمدادات العالمية جراء تحول الاهتمام والاستثمارات إلى هذه المصادر. حيث تعد الرمال النفطية في مقاطعة ألبرتا الكندية أكبر مصدر للنفط خارج منطقة الشرق الأوسط، التي تمتلك احتياطيا يكفي لتلبية جميع الطلب على النفط في الولايات المتحدة لمدة تزيد على 25 عاما.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة أن يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.