قمة مجموعة العشرين .. بين مدرستين اقتصاديتين!

شهدت القمة الثالثة لمجموعة العشرين، التي بدأت أعمالها في تورنتو في كندا أمس السبت وتستمر حتى اليوم الأحد 27 حزيران (يونيو)2010 مناقشة كل الملفات الدولية الساخنة ابتداء من أزمة الديون التي تعصف بدول الاتحاد الأوروبي وإعانات الطاقة ومحاربة الفقر في الدول النامية وشبكات الأمان المالي العالمي حتى الملف النووي الإيراني.
ولكن أبرز ما شهدته القمة هو الخلاف على مدرستين اقتصاديتين، الأولى تقول بخفض الإنفاق الحكومي حتى يتحقق التوازن الاقتصادي، وتتبنى هذه المدرسة دول الاتحاد الأوروبي، بينما المدرسة الأخرى تقول بضرورة زيادة الإنفاق الحكومي حتى تتم عملية إحلال الانتعاش محل الانكماش، وتتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، ويبرهن أصحاب هذه النظرية بأن نظريتهم هي التي أخرجت الاقتصاد الدولي من الأزمة المالية العالمية، وهو الآن يعيش مرحلة التشافي ويتقدم نحو التوازن الاقتصادي.
ومن ناحيتهم فإن الأوروبيين يقولون إنه من الخطأ القول بأن تقشف الميزانية سيؤدي إلى ركود، وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن بلادها ستتمسك بخطط لتوفير 80 مليار يورو على مدى السنوات الأربعة المقبلة في أكبر برنامج لها لخفض الإنفاق منذ الحرب العالمية الثانية.
وبالنسبة للسعودية فقد أخذت بناصية المدرسة الأمريكية عن قناعة كاملة، وإذا رجعنا إلى ميزانيتي الدولة التقديريتين لعامي 2009 و 2010 لوجدنا أن الحكومة اعتمدت مزيدا من برامج التنمية المستدامة وضاعفت من إنفاقها على البنية الأساسية حتى يحل الرواج الاقتصادي محل الكساد الذي كان يعيث فساداً ويعرقل عجلة الاقتصاد الوطني.
ولكن ما يؤخذ على الدول الثمانية أنها عقدت اجتماعا قبل يوم من انعقاد اجتماع مجموعة العشرين، وكأنها تريد أن تقول إنها هي التي تضع البرامج والمشاريع للاقتصاد العالمي وإن مجموعة العشرين تقوم بالتصديق عليها فقط.
ولكن القضية ليست هكذا ففي مجموعة العشرين تحتل بعض الدول مكانة اقتصادية أعلى، وترى هذه الدول أنها لم تأت للحوار فقط وإنما جاءت من أجل الحوار واتخاذ القرار.
وبعبارة أخرى فالاقتصاد الدولي لا تمثله اليوم مجموعة الثماني، وإنما أصبحت تمثله مجموعة العشرين، فالصين، الهند، البرازيل، كوريا الجنوبية، المكسيك، السعودية، تركيا، والأرجنتين ليسـت « تكملة عدد»، بل إن الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول أصبح أعلى من الناتج المحلي الإجمالي لبعض دول الثماني، وبالتالي فإن مساهمتهما في النشاط الاقتصادي الدولي أعلى من مساهمة بعض دول مجموعة الثماني.
ولذلك نستطيع القول بكل ثقة إن مشاركة السعودية في قمة مجموعة العشرين .. لم تأت من باب البترول كما يقول بذلك بعض المغرضين، بل أتت من خلال حجم الاقتصاد السعودي الذي صنف في المركز الثامن عشر على مستوى العالم.
إن الحكم على قرارات قمة العشرين بالنجاح أو عكسه يتوقف على تحقيق الأهداف، ونعتقد أن مجموعة القرارات التي اتخذتها القمة، التي تم تسريبها إلى وسائل الإعلام كافية للخروج بالاقتصاد العالمي إلى حالة من الانتعاش تكفي لاستعادة كثير من قوى السوق في فترة زمنية قصيرة، ولذلك فإن المتفائلين يقولون بأن حالة الركود لن تظل طويلاً، وسيشهد الاقتصاد العالمي مع مطلع عام 2011 مظاهر الانتعاش.
إن أكثر الناس تشاؤماً قالوا بأن قرارات مؤتمر قمة العشرين قرارات موفقة وتستطيع أن تنتشل الاقتصاد العالمي من الركود وتأخذه إلى التعافي من أمراض الكساد والفساد والانفلات.
ولعل أهم ما اتخذته القمة من قرارات هو أنها أكدت تطبيق قواعد جديدة للرقابة والإنذار المبكر عن الأزمات قبل وقوعها لكيلا يترك الاقتصاد العالمي ومؤسساته في مهب الريح وعرضة لهوى مجموعة من المديرين التنفيذيين الذين كتبوا لأنفسهم صكوك العمولات غير المشروعة، وإزاء ذلك أشادت القمة بتأسيس مجلس عالمي للإنذار المبكر، ووظيفة المجلس إحكام الرقابة على المؤسسات المالية والاقتصادية وتفعيل مبادئ الحكومة والشفافية والنزاهة منعاً لكل أشكال وألوان الفساد الإداري والمالي، وهكذا أصبحت المملكة عضوا فاعلا في مجلس إدارة الكون.
وطبعاً نحن السعوديين فخورون بأن تتبوأ المملكة هذا المنصب العالمي الرفيع وتصبح عضواً فاعلاً في مجلس إدارة العالم.
ولذلك فإن الوفد السعودي أعاد تذكير المؤتمر بما سبق أن نوه عنه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة مجموعة العشرين، التي عقدت العام الماضي في لندن حينما قال: ونحن مستمرون كذلك في القيام بدورنا في العمل على استقرار السوق البترولية، كما أننا واصلنا برنامجنا الاستثماري الضخم لزيادة طاقتنا الإنتاجية حرصاً منا على استقرار سوق الطاقة العالمي ولقناعتنا بأن ذلك يخدم مصلحتنا ومصلحة الاقتصاد العالمي، وندعو الدول المستهلكة للتعاون معنا في هذا المجال وتفعيل الحوار بين المنتجين والمستهلكين لما فيه المصلحة المشتركة، وعدم استهداف البترول بسياسات تؤثر سلباً فيه، وحرصاً منا على تفعيل الحوار فقد بادرنا بالتعاون مع الدول الصديقة لإنشاء الأمانة العامة لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض.
ورغم أن جهود العشرين دولة كانت تبحث ــ بكل الإخلاص ــ عن حل لأزمة المديونيات .. إلاّ أن الاختلاف على روشتة العلاج سيضع الاقتصاد الدولي في ورطة المحاولات، ولذلك فإن نتائج حل أزمة مديونيات دول الاتحاد الأوروبي ستكون في علم الغيب، ولكن ــ مع ذلك ــ فإن الألمانية أنجيلا ميركل تتحدى الأمريكان وتقول بأن الاقتصاد الأوروبي سيتعافى ويتشافى بخفض الإنفاق الحكومي وليس بزيادة الإنفاق الحكومي!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي