رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


فأحِبوه.. نجيب الزامل نموذجاً

« إذا أحب الله العبد، نادي جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض « صحيح البخاري.

حين حظي قلمي بشرف الكتابة في رواق المقال بالاقتصادية الالكترونية، صَادفتُ أُناساً رائعين، يشكلون مُجتمعاً راقياً لامعاً، قلَّ أن يتواجد، بمثل هذا النسق البديع، في أي مكان آخر على الانترنت، وأحسبُ أنني كنتُ من المَحظوظين ريثما تعرفتُ على فكر كُتَّابٍ ذوي هاماتٍ سامقة في ميدان الكلمة، مثَّلوا - في الحقيقة - نهراً عذباً متدفقاً على وجه الاقتصادية بنسختيها الورقية والالكترونية، فأثمر النَّهر فكراً له أطياف هادئة صافية، يجمع في أُلفَة مدروسة بين الأصالة والمعاصرة.

الأستاذ الكبير نجيب الزامل بما يملكه من موهبة ربانية، ومن ثقافة موسوعية، ومن رؤية تحليلية، ومن نظرة موضوعية، نال حضوراً واسعاً، وتفاعلاً مرموقاً، وحباً جماً، ليس لأنه كاتباً ينسج الحروف لآليءَ.. ولا لأنه ينظم الكلمات جواهرَ.. ولا لأنه يصيغ العبارات تِبْراً، فكثيرون ممن ملكوا ناصية اللغة يقدرون على ذلك، ولكن عند النجيب أشعر بروح دفَّاقة تسري في مادة الحروف، فتحيلها إلى كائن حي يسمع ويري ويشعر، ذلك لأن النزعة الإنسانية لم تغب عن فكره أو قلمه طرفة عين، وإنما التحمت بلحم وعظام الكلمات، ، فانتظمت عقداً فريداً يرسل الأمل والتفاؤل، ويبعث على الحب والتواصل.

في زاوية الأستاذ نجيب بالاقتصادية.. عاينت.. بل لامست علاقة من نوع فريد بين طرفين رائعين، صهرهما الحوار الراقي والمناقشة الهادفة في بوتقة الحُبِّ المُترفع على الهوى والغرض.. مثَّلَ الطرف الأول: الأستاذ نجيب، بفكره، وثقافته، وحنانه، وتواضعه، وحكمته، وحيائه، وقدرته النادرة على إدارة المناقشة.. ومثَّلَ الطرف الثاني: كوكبة زاهرة نابهة من قراء مثقفين، تجاوزا بالمناقشة الموضوعية حدود الذات، ليحلقوا في سماء حوار راقٍ، وسيلته وغايته الكلمة العفية النقية، ليكون الناتج المنطقي زاوية فكرية وأدبية لا مثيل لها.

هذا المشهد الذي تجاوز حدود المكان، فعبر بحاراً وجبالاً وحدوداً، لا يُعقل أن يكون مَحْضُ صدفة، ولكنه ترتيب قدري ليجمع هذه الثلة النادرة حول معانٍ رفيعة غابت أو أوشكت أن تغيب عن واقع حياتنا، ولذا ساقت الأقدار رجلاً استطاع بتوفيق الله أن ينتشل الكلمة من جوف الأحداث ومن حياة الناس ليصوغها بمداد من تجرد وإخلاص، ثم يعرضها نقية هادفة، فترتشفها عقول مشرئبة نحو آفاق الصدق، فأنتجت الكلمة الصادقة جداول رقراقة من أفكار يانعة متألقة، يصلح أكثرها مادة للبحث والتأمل.. لقد كان الأمر متوقفاً على إلقاء حجرٍ ليتحرك الماء الراكد!.

لقد رأيتُ الأستاذ نجيب دون أن ترمقه عيني، وجالسته دون أن أجالسه، وتسامرت معه دون أن أكلمه.. نعم حدث ذلك حين قرأتُ له هنا، وحين علقت على مواده هنا، وحين تفضل بالرد على جميع مداخلاتي هنا.. أعترف أني تعرفتُ على رصيد ضخم حين تعرفت على إنسان من طراز نادر لم أصادفه طيلة سنوات عمري الأربعين.. تعرفتُ عليه، وتعلقتُ به، لأني كثيراً ما بحثتُ عن مثله فلم أجد، حتى شاء الله أن ألتقيه هنا، والفضل يرجع إلى الأستاذ إبراهيم محمد باداود، الذي عرَّفني على الاقتصادية ، ومن ثم على النجيب، من خلال مقالاته التي تعود على إرسالها إلى عبر البريد الالكتروني، وإن كان قد توقف منذ فترة، فجزاه الله خيراً.

ثم كان الأمل في لقاء أطيلُ فيه العناق، وأبلور فيه طول الاشتياق، خاصة وقد جاء النجيب إلى أرض الكنانة، فضاقت مسافة السفر.. من الدقهلية إلى القاهرة، ولكن الظروف أبت.. حسبي أن الأرواح قد تعارفت وتآلفت، وأن القلوب قد التقت وتعانقت.

* باحث في علم الإحصاء – مصر

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي