كلمات اقتصادية مستهلكة
تتردد بين العارفين وغير العارفين كلمات قليلة ومؤثرة ولكنها حمالة أوجه وبدا أن استعمالاتها وتوظيفها من جانب الجميع من يريد الإصلاح ومن لا يريده، ومن يرغب في المحافظة على مصلحة معينة ومن يرغب في تغيير الوضع لعله من المستفيدين الجدد وبينهم ألوان طيف وإرهاصات بل تفريغ للمضمون الاقتصادي وحتى استهلاك لغوي. هناك كلمات كثيرة ولكن لفت نظري بعض منها مثل كلمات ترشيد وسيولة وشفافية. وبما أننا أمة ذات اهتمام بالكلمة، ودونت جزءا كبيرا من إرثها الثقافي من خلال الشعر والأمثال التي في جزء كبير منها لم تكتب إلا لاحقاً؛ وحديثاً عندما لم تؤد المشاريع النهضوية أهدافها تملل العرب من المصطلحات والكلمات الرنانة إلى حد أنهم وصفوا أنفسهم بالظاهرة الصوتية، لذلك فإن للاهتمام اللغوي أهمية خاصة. دعنا نسترجع ونراجع المضمون الاقتصادي الذي يمكن أن يُترجم إلى معنى منهجي وعملي وليس إلى مصطلح، كل يردده دون تحديد المستوى والدرجة من الدقة والمسألة المرادفة لكيلا تصبح الكلمة دون معنى فاقدة الجوهر وعامل تمييع بين من يعرف ومن لا يعرف ووسيلة ضبابية بين الفكر والعمل.
كلمة ترشيد تمتد إلى طيف واسع؛ فهي تستعمل على سبيل النصح في عدم الإسراف والتوفير وحتى الاعتدال ولكن هذه المعاني السامية تصادر القيمة الجوهرية اقتصاديا للكلمة.
فالترشيد في جوهره يعني عقلنة التصرف والعمل على قياسه مقابل تكلفته البديلة والمباشرة وغير المباشرة. لا أدري ماذا يقصد الكثير حينما يتحدث عن ترشيد الاستقدام - فهل هذا مطلب بسياسة تقليص الاستقدام كشكوى ضبابية عامة لا تستند إلى علاقة رياضية بين الاستقدام وفرصة توظيف طالبي العمل من المواطنين. لعل كلمة ترشيد أصبحت مهربا مريحا يحمي قائلها من استحقاقات السياسات العمالية المترتبة عليه، فكلمة ترشيد تحمل من التعقل الاجتماعي والاعتدال الشخصي ما يكفي للتعامل مع كل مهتم بالموضوع دون أي اهتمام بالتفاصيل.
كلمة أخرى أصبحت تعني كل شيء ولا تعني شيئاً - السيولة. كل من يعتقد أن وضعه المالي غير مناسب - وما أكثرهم - سريعا ما يذكر أن الإشكالية في توافر السيولة. وكل من يهتم بأسواق رأس المال، وخاصة سوق الأسهم، سريعا ما يذكر أن السيولة زيادة ونقصاناً هي السبب، وهكذا من الاستعمالات الخاطئة وشبه الخاطئة. فكلمة سيولة تحمل معنيين لا ثالث لهما من الناحية المالية على الأقل. السيولة تعني القدرة على تحويل الأصول إلى نقد (أكثر الأصول سيولة)، والمعنى الآخر وهو ذو اشتقاق من المعنى الأول، هو زيادة النقود السائلة في النظام المالي بمجمله. الكثير يخلط بين حجم التداول في سوق الأسهم والسيولة، والبعض الآخر يخلط بين السيولة والملاءة المالية وغيرهما من سوء استخدام المصطلح.
الكلمة الأخيرة التي ظهرت في قاموسنا حديثا كلمة الشفافية. وهذه الكلمة فُرغت من محتواها الاقتصادي والمالي، فبدلاً من المدلول على كشف وتوضيح سلم القيمة المترابط والمتراكم في أي مؤسسة أو مشروع اقتصادي، أصبحت تعني إما التجريح والرغبة في المثير على حساب الأهم - معرفة التكلفة الفعلية. كذلك لها استخدام آخر وباهت لكل من يرغب في الحصول على معلومة أيا كانت ولأي غرض. المساءلة وحتى المراجعة الإدارية تتطلب قدرا وافرا من الشفافية لمعرفة القوى الاقتصادية الفاعلة والمحركة لأي قرار عدا ذلك فهو استخدام نفعي ضيق.
هناك مدرسة فلسفية في علم اللغويات تسمى المدرسة التدميرية، وهذه تقول باختصار، إن كل كلمة تحمل ما ينفيها. تطبيق آلية هذه الفلسفة على هذه الكلمات يوضح مدى صلاحية هذه الفلسفة من ناحية، حيث إننا استطعنا إثبات هذه النظرية دون عناء يُذكر، ومن ناحية أخرى، استطعنا تشويه المفاهيم العامة لدى الناس بسبب المبالغة في استعمال ما لا نفهم أحيانا وتكريس التسطيح إلى حد تجهيل الناس. دعونا نحترم الكلمة رمزاً ومضموناً لأنها وسيلتنا إلى مخاطبة بعضنا بعضا حضاريا. لا تزال الكلمة نقطة البداية والرابط الأساس للتفريق بين التفكير والعمل والرمزية والمعنى.