أسطول الحرية و10 حقائق لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي
لم يكن أمرا مستغربا أن تقدم دولة الاحتلال والإرهاب على الاعتداء على العزل والأبرياء الذين جاءوا من أجل غرض إنساني بحت يمثلون شعوب العالم. لكن إسرائيل التي تمارس إرهاب الدولة لا تأبه بمشاعر الآخرين ولا بالقوانين الدولية ولا المواثيق وترمي بها عرض الحائط وتحطم من يقف أمام تجبرها وطغيانها تماما كالطفل المدلل الذي لا يقوى أحد على نهره أو تأديبه, وهذه هي الحقيقة الأولى. وربما كون قدر العرب والمسلمين أن تزرع إسرائيل خنجرا مسموما في خاصرة المنطقة. إسرائيل التي تنادي بالسلام تمسك بالبندقية تقتل وتشرد، والعرب كانوا يزمجرون ويتهددونها بالويل والثبور, لكنهم يهرولون إلى السلام إلى أن وصلوا إلى حالة الاستسلام والتسليم بما تمليه إسرائيل. الفرق بين إسرائيل والعرب أن إسرائيل تحرص على مصافحة القيادات الفلسطينية بيد وتطعنهم باليد الأخرى. كيف نفسر مشهد الفلسطينيين وهم يجلسون على طاولة واحدة مع الإسرائيليين؟! الإسرائيليون الذين يجوعون شعبهم ويعملون فيهم قتلا، وما وقع هذه المقاطع الإخبارية التي تبث على شاشات التلفزيون بابتسامات المسؤولين الفلسطينيين وبعض القيادات العربية في جلسة حميمية مع الإسرائيليين على نظرة المشاهدين حول العالم، أؤكد لكم يا سادة أنه سينطبع في أذهانهم أن الطرفين في وئام ومحبة وسلام وإنما ما بينهما هو خلاف على أمور هامشية وأن الزمن كفيل بمعالجتها، بينما واقع الحال هناك قتل ونهب للممتلكات وتعد على المقدسات وسلب للحريات والكرامات! وهذه هي الحقيقة الثانية. إسرائيل تتشدق بأنها جزيرة الحرية في بحر الديكتاتورية المحيط بها, وأنها تخشى على نفسها من هذه الأنظمة التي لا تراعي حقوق الإنسان ولا حرية التعبير ولا تحفظ كرامة مواطنيها, وأن من حولها يتحينون الفرصة لافتراسها ورميها في البحر, وهكذا تظهر للإعلام العالمي أنها الحمل الوديع الذي تتناهشه الذئاب الضالة, وتربط ذلك بعقدة الذنب لدى الأوروبيين من جراء أكذوبة المحرقة والإبادة التي تعرض لها اليهود فتدعو الدول الديموقراطية في أوروبا وأمريكا إلى حمايتها والذب عنها ومساعدتها ودعمها بالسلاح والمال. وهذه هي الحقيقة الثالثة! إسرائيل ليست دولة صغيرة بل عظمى لأن اللوبي الصهيوني يمسك بتلابيب القوى السياسية ومراكز الإعلام ومؤسسات المال والأعمال في الدول المتقدمة, ولا يكاد أحدهم يظفر بمركز حكومي إلا وقد قدم القرابين والعهود بأن يخدم مصالح الدولة العبرية وأن يكون مواليا لها يذب عن حياضها, وأن يتغاضى ويتغافل عن كل كبيرة تفعلها, وأن يضخم كل صغيرة لأعدائها, وأن يقلب الحقائق وأن يدافع عنها حتى لا يدع مجالا للشك في موالاته ليكون صهيونيا أكثر من الصهاينة أنفسهم, وهذه هي الحقيقة الرابعة! الدول الغربية المتحضرة المتقدمة الديمقراطية التي تدعو إلى حفظ حقوق الإنسان وحرية التعبير والانتخابات واحترام القانون الدولي هي ذاتها تعطل كل ذلك عندما تتعارض هذه القيم العظيمة مع العنجهية الإسرائيلية وأعمالها الهمجية والسلوكيات اللاإنسانية, وفي اللحظة ذاتها تتدخل تلك الدول في خصوصيات ثقافات المجتمعات الأخرى وتنعتها بالقمعية والديكتاتورية (مع أنها ليست أكثر قمعية من إسرائيل) كونها فقط تختلف عنها ثقافيا, وهذه مفارقة عجيبة, لكنها حقيقة, وهي الخامسة.
لا شك أن ما يحدث من تسلط وهجمة شرسة على العرب والمسلمين سببه فراغ كبير تسبب فيه العرب والمسلمون أنفسهم, فالشعوب في معظمها مغلوب على أمرها, وكرامة الإنسان مهدرة ولا تكاد تكون له حقوق، تسحقه المشكلات اليومية, شغله الشاغل البحث عن ضروريات الحياة من لقمة العيش ومسكن يؤويه، أما الكبت وغياب القانون العام الذي يساوي بين الناس ويحفظ حقوقهم, فهذا ما يجعل الآخرين يتجرأون على مجتمعاتنا وينظرون إليها نظرة دونية, كأن لسان حالهم يقول: إنهم أناس لا يستحقون الاحترام فلتفعل بهم إسرائيل ما تشاء! وهذه هي الحقيقة السادسة. النزاعات والصدامات والنقاشات والحوارات داخل المجتمعات العربية في معظمها ليس من أجل تحقيق المصالح الوطنية وإنما نقاشات أيديولوجية بين تيارات فكرية كل فريق يسعى إلى إثبات الذات لتتحول إلى حوارات بين الطرشان يملأها الحماس العاطفي, يكون الهدف منها تسفيه الرأي الآخر وجذب الهتيفة والأنصار ثم ماذا؟ لا شيء! لا شيء على الإطلاق! هكذا تذهب الأفكار والجهود والأوقات هباء منثورا, لذا تجد لدينا من المثقفين والعلماء, لكن لا تأثير يذكر لهم في مجريات الأمور والتطوير والتنمية, حتى أن تلك المجتمعات التي كانت تعد إلى عهد قريب متخلفة عنا أصبحت تسبقنا بأشواط مثل كوريا وسنغافورة، وهذه هي الحقيقة السابعة. العرب ما زالوا يعملون في المدى القصير وتستهويهم القرارات اللحظية وردود الأفعال دون رؤية مستقبلية وعمل جاد في بناء مجتمعاتهم من أجل التحول إلى مجتمعات أكثر تقدما وحضارة والمقاربة بين القيم الاجتماعية والقرارات العامة وبناء المؤسسات ودولة القانون، هكذا تتكون الهوية الوطنية وتكون إدارة الاختلاف فاعلة تؤدي إلى المصالح الحقيقية وما ينفع الناس, وهذه الحقيقة الثامنة. القيم الإسلامية والفهم الصحيح للإسلام وتطبيق منهجه في الحياة العامة هي المخرج الوحيد من هذا النفق المظلم وهي في الوقت ذاته تسهم في تقديم الوجه الحضاري للإسلام الذي يجتذب إليه الناس من جميع الملل والثقافات. انتشار الإسلام الصحيح بقيمه الراقية هو الرحمة وخلاص العالم من حضارة قانون الغاب والحروب والدمار، ولذا كان على المسلمين أن يكونوا أنموذجا لهذه التعاليم بسلوكياتهم وحسن تعاملهم فيما بينهم ومع الآخرين, وهذا سلاح لا أحد يستطيع مواجهته, وهذه الحقيقة التاسعة. هناك سنة كونية في أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, وأن هذا التغيير يستلزم اتباع المنهج الرباني, فالله ينصر من ينصره, وهكذا نجد أن العرب انهزموا في أنفسهم قبل مواجهة الأعداء, وأن ما يلزم هو تطهير النفوس وتنوير العقول والأخذ بالأسباب والاعتماد على الله دون غيره, وهذه هي الحقيقة العاشرة! هذه الحقائق الحاضرة الغائبة أساس فهم الصراع العربي الإسرائيلي, فهي تمثل القوى التي شكلت هذا الوضع المأساوي والمعقد الذي انقلبت فيه الموازين وأصبح فيه الاعتداء والاحتلال دفاعا عن النفس، وتحرير الأرض ومحاربة المحتل إرهابا! إن ما حدث من اعتداء على أسطول الحرية يكشف هذه الحقائق لأنها خارج قوانين اللعبة القذرة التي تمارسها إسرائيل على الشعب الفلسطيني التي اعتدناها، بدليل أن الحصار وتجويع أهالي غزة وهدم مساكنهم وتدمير مزارعهم وحرمانهم من كل مقومات الحياة مضى عليه وقت طويل ولم يجرؤ أحد على الاعتراض, إلا أن هذه المرة فقدت إسرائيل الأعذار التي تتحجج بها عادة وترسمها في مخيلات البعيدين عن الأوضاع, وفات عليها هذه المرة أنها تتعامل مع مجتمعات لا يمكن أن يمرروا فعلتها أو يقبلوا غطرستها, وربما كانت هذه الحادثة الشنيعة الفجة على مرأى ومسمع العالم نقطة التحول في الرأي العام العالمي نحو وضع جديد .. فهل يستثمر العرب هذا الحدث في تغيير الحقائق وجعلها لمصلحتهم, أم يكتفون بالفرجة دون موقف واضح وموحد ودون خطة ومبادرة في تغيير الحقائق على الأرض؟