الدهاء في سياسة الجزيرة الإعلامية

في الشهر الماضي أصدرت الحكومة الأمريكية وثيقة استراتيجية جديدة في محاولة لرسم إطار جديد وتوضيح للأولويات بعد أن انشغلت أمريكا بما سمي بالحرب على الإرهاب ومن ثم الأزمة المالية/ الاقتصادية. مما ذكر في هذه الوثيقة أن هناك لاعبين على المسرح الدولي غير الأمم الناهضة مثل الصين والهند والبرازيل والدول المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية ولاعبين غير تقليديين وغير الدول مثل قناة الجزيرة والقاعدة. فأصبحت قناة الجزيرة أحد تلك الأقطاب المؤثرة عالمياً ولكن الجزيرة في المقام الأخير تطرح وجهة النظر القطرية. فيا ترى ما السر في ذلك النفوذ لقناة الجزيرة في ظل حجم دولة قطر؟
تبادرت إلى ذهني جدلية حول هذه الثنائية (نفوذ الجزيرة وحجم قطر) في الموقف أثناء متابعة أحداث أسطول الحرية المتوجه إلى غزة ''بغرض'' دعم إنساني لا يخلو من سياسة كما جرت العادة. طاقم قناة الجزيرة هو وزير إعلام تلك الحملة وعزمى بشارة هو محامي هذه الحملة في الاستوديو؛ وفي يوم الهجوم يعقد مؤتمر اقتصادي دولي في الدوحة بحضور وزير التجارة الإسرائيلي وكذلك ''يؤجل'' الشريط الإخباري للقناة خبر الهجوم على القاعدة البحرية التركية ومقتل العديد من الجنود تعاطفاً مع الموقف التركي. كل هذه الأحداث وأضدادها في الدائرة الصغرى للقناة وهناك ما هو أكبر.
فالدائرة الكبرى تجمع بين تناقض أكبر، فالقناة تحاول مواربة إيران لتأمين الجانب السياسي الإعلامي العاطفي في عالم عاطفي ''العربي والإسلامي'' كبوليصة تأمين مع إيران ثم تستضيف القاعدة الأمريكية الرئيسة في المنطقة للسيطرة والتحكم، التي تذكر أن مراقبة إيران وعدم استبعاد القوة ضدها هو مركز اهتمامها الأول. فحال إيران يقول ''شعرة من جلد الخنزير بركة'' وحال أمريكا يقول: دع الهرج والمرج بينهم وعليك بما هو أهم، فكلاهما راض عن قطر لحين.
الدهاء في فهم المعادلة الصعبة في المنطقة ثم استغلالها لأبعد مسافة. تقوم المعادلة الصعبة على المراهنة على العواطف وخاصة في تلك النواحي من الحياة الأقرب إلى الوعي العام مثل السياسة. فالنجاح في السيطرة على هذه النواحي يعطيك فرصة في عمل ما تريد وما ترى أنه أهم في السياسة الفعلية - فهناك حالة من الاستقطاب بين السياسة كوعي وعاطفة وبين السياسة كممارسة واقع أمني. فالجزيرة تعطي العالم المتشاغل بالقضية الفلسطينية ما يريد ثم تعمل هي ما تريد. ما يريد العالم البعيد عن ويلات الحرب هو العواطف سواء بمعناها الإنساني أو بمعناها الاستهلاكي وما تريد قطر هو التفرد بالعلو أولاً وإحراج الآخرين ثانياً، وكلاهما مرتبط بالآخر حين تكون حالة الجوار أهم من أي قضية أخرى مهما ارتفعت حدة العواطف.
تعبر هذه السياسة الإعلامية عن حالة من انفصام شخصية نفسية سياسية وبالتالي هي أحد إفرازات حالة المنطقة في التخلف والضياع، وحين يكون الضياع فكرياً وتنموياً هو المنطلق تكون غريزة البقاء هي الأقرب في عالم خطير ومتلاطم الأمواج. حجم الثروة وقلة السكان والفراغات في المنطقة فكراً وممارسة تجعل من النشاز حالة مستدامة وحتى مقبولة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي