رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


بناء القدرات قبل قياسها!

تتعالى صيحات الاستهجان وربما غضب طلاب وطالبات الثانوية بعد ظهور نتائج اختبار القدرات ويصابون بالإحباط ويستنكرون كيف لهم أن يحصلوا على درجات متدنية, خاصة أولئك المتميزين في موادهم الدراسية. هذا المشهد يتكرر كل عام, ومع ذلك ما زال هناك من يصر على العمل بالروتين ذاته دون مراجعة وتقييم للتجربة من خلال نظرة شاملة لمنظومة التعليم. وعلى الرغم من توفير دورات للإعداد لهذه الامتحانات، إلا أنه لا يمكن تصور تعليم التفكير التحليلي من خلال دورة مدتها يومان أو ثلاثة أيام, فهذا أمر شبه مستحيل. هذه الدورة ليست مجانية بل تكلف 300 ريال للطالب الواحد, وهي لا تعدو دورة تعريفية بنوعية الأسئلة وطريقة الإجابة عنها بأسلوب التلقين والمحاكاة. وإذا لم تكن هذه الدورات ذات فائدة للطالب والطالبة - وهي كذلك - فإنها تتحول إلى عملية تجارية بحتة تصل حد ابتزاز واستغلال أوضاع الطلاب والطالبات الذين يعملون المستحيل ويستميتمون في سبيل تحقيق نتائج تؤهلهم لدخول التخصصات الجامعية التي يرغبون فيها. وإن كانت ذات فائدة على سبيل الافتراض فإنه ليس من العدل تقديمها للمستطيعين دون غيرهم! في هذا السياق هناك عدة تساؤلات استنكارية وملحة يلزم طرحها ومناقشتها بشفافية ومصداقية: كيف للطلاب والطالبات أن يتحولوا بين عشية وضحاها إلى التفكير الإبداعي والقدرة على التحليل؟! الأدهى والأمر, بل من الظلم، كيف لنا أن نطالبهم بقدرات لم يتدربوا عليها؟! لم يعد خافيا على الجميع أن أسلوب ومنهج التدريس في التعليم العام يعتمد على التلقين والحفظ وترديد كم هائل من المعلومات لا يتيح مجالا للفهم والتدبر والاستيعاب والتحليل وتوظيف المعلومات في شؤون الحياة اليومية وجعل الطالب والطالبة على اطلاع واسع لما يدور حولهم من أحداث وقضايا. وهكذا ينهمك المدرسون والمدرسات وطلابهم في عملية التلقين والتلقي وتحت ضغط إنهاء المقرر (المنهج) الطويل لا يكون هناك متسع من الوقت للنقاش, ولا يسمح للزيارات الميدانية أو استقبال المحاضرين من الخارج. بل إن الثقافة السائدة في المدارس الانغلاق وحبس حرية التعبير ومنع السؤال وطرح الآراء المخالفة والاعتراض على فكرة أو قضية في الدرس. في ظل وضع كهذا أين لهم أن يبنوا قدراتهم الذهنية والتفكير الإبداعي والابتكار؟! المسألة خطيرة جدا لأن اختبار الطلاب والطالبات بما لا يجيدونه وما لم يتدربوا عليه يخلق لديهم نوعا من الإحباط والنظرة الدونية لأنفسهم ويثبط عزيمتهم ويقلل دافعيتهم نحو التعلم.
لا أحد يشكك في أن الهدف من اختبار القدرات في حد ذاته مقصد نبيل ومحمود, وربما يكون من باب الاستفادة من تجارب الأمم المتقدمة في مضمار التعليم والصناعة والاقتصاد، وهو أسلوب مهني تربوي موضوعي يسهم في التمييز بين الطلاب وتصنيفهم ومن ثم الاستفادة من ذلك في توجيههم نحو التخصصات الأكاديمية التي تتناسب مع قدراتهم. لكن أليس من الأجدر التركيز على بناء هذه القدرات وإعداد الطالب والطالبة أثناء الدراسة عبر مناهج تحفز على التفكير النقدي والفهم التحليلي والتعلم الاستكشافي وبيئة مدرسية تشجع على ثقافة الحوار ومعلمين ومعلمات يمتلكون مهارة التعليم وتطبيق المعايير التربوية ويكون هدفهم إحداث تغيير في فكر وميول وسلوك الطالب والطالبة والارتقاء بقدراته الذهنية والنفسية والثقافية وتكوين شخصية قوية شجاعة ومبادرة وذات خلق حسن وجرأة أدبية وحب للبذل والعطاء والتعاون مع الآخرين؟ إن الجهل لا يعني قلة المعلومات, إنما فقدان الحكمة والموازنة بين الأمور ومعرفة الصحيح من الخطأ على أسس موضوعية. وإذا لم تسهم المعلومات في تطوير ذات الإنسان وتوسيع أفقه ومداركه تكون عبئا ثقيلا على النفس لأنها تكون غريبة عنها لا تمت لها بصلة! ولا تبرح أن تتلاشى مع آخر امتحان للطالب والطالبة لتذهب في مهب النسيان من غير عودة. الأخطر هو أن يتكون لدى الطلاب والطالبات مفهوم خاطئ عن التعلم ليكون من أجل الدرجات وليس من أجل المعرفة والثقافة وتطوير ذواتهم، فتراهم يعكفون على الكتب يحفظونها عن ظهر قلب وكأنهم ببغاوات تردد ما لا تفهم. هذا ما نجنيه من التعامل مع مهنة التعليم من منظور بيروقراطي صرف وليس من منظور تربوي مهني. وما يزيد الطين بلة المركزية الشديدة التي لا تتيح لإدارات المدارس صناعة القرارات الخاصة بها وتقييم أدائها على أساس التطوير والابتكار والإبداع في العملية التعليمية في مدارسهم. الإشراف التربوي الذي وضع من أجل ضمان جودة التدريس تحول للرقابة الشكلية والتقييم الشخصي وليس كنظام مؤسسي شامل ومستمر يحدد التوقعات ويفيد المعلم والمعلمة بمستوى الإنجاز الذي تحقق ويعتمد عليه في تطوير العملية التعليمية ونقاش أفكار جديدة وتقديم مقترحات ومبادرات من قبل المعلمين والمعلمات. هناك بيات بيروقراطي يسيطر على العمل التربوي في المدارس ومنطقة للراحة يأنس لها المتقاعسون فلا يميز بين الغث والسمين وهكذا يقتل الإبداع ويحارب الناجحون.
المشكلة التي نعانيها في كثير من مشاريعنا التنموية, خاصة تلك التي تتعلق بالعمل الحكومي, أنها تأتي مجزأة وغير مترابطة, ولا تكون ضمن منظومة متكاملة تربط بين المدخلات والمخرجات داخل كل قطاع وتوحد الجهود بين القطاعات المختلفة في تحقيق الأهداف الوطنية المشتركة. وربما يكون اختبار القدرات مثالا لهذا التشرذم الإداري الذي يصل في بعض الأحيان إلى حالة من التضاد بين القطاعات المختلفة. وبسبب عدم وجود النظرة الشمولية والمنظومة المتكاملة يتحول اختبار القدرات إلى عقبة كؤود يحول دون دخول الطلاب والطالبات إلى تخصصات يرغبون فيها ومطلوبة اجتماعيا ومهنيا. وهنا يبرز تساؤل مهم: هل يقيس اختبار القدرات قدرات الطلاب؟ أم يعتمد على الحظ في اختيار إحدى الإجابات المتعددة؟! مع العلم أن هناك أنواعا من القدرات في التعلم والتفكير! لن أخوض في هذا الموضوع لأن هذا الفن له أهله من المختصين, لكن من الضرورة بمكان مناقشة إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الاختبار؟ وما مصداقيته؟ بمعنى هل يستطيع قياس قدرات الطالب الفكرية والتحليلية والذهنية والثقافية, وبالتالي نستطيع أن نعتمد نتائجه في تحديد مستوى الطالب والتخصص الأكاديمي الذي يتناسب مع قدراته؟!
البديل الجيد على المدى القصير هو اختبار قدرات الطالب بعد إنهائه السنة التحضيرية في الجامعة. إذ يمنح الطالب الفرصة لدخول الجامعة وتطوير قدراته ومن ثم يتم تحديد مستواه. عنده يكون الطالب والطالبة أكثر استعدادا ونضجا. هناك حالات لبعض الطلاب أبلوا بلاء حسنا بعد دخول الجامعة بينما كانوا بمستوى متوسط في الثانوية أقول هذا من واقع تجربتي في التدريس الجامعي على مدى 23 عاما، ولذلك لدي إيمان راسخ بأن مهمتنا الرئيسة في سلك التعليم سواء العام أو العالي هي إحداث تغيير إيجابي لدى الطلاب والطالبات وبناء قدراتهم وإعادة تثقيفهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم. فهل نقوم ببناء القدرات من خلال جميع المراحل الدراسية ومن ثم قياسها لنكون أكثر عدلا وإنصافا وموضوعية ومنطقية؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي