كيف يقرأ الإعلام النص أو الحدث؟
ربما أطلنا في الكتابة عن كيفية قراءة النص وتفسيره إن كان دينيا أو دنيويا. قراءة النص قد تكون لدى البعض أهم من النص نفسه وإن كان مقدسا. لماذا؟ لأننا غالبا ما نعمل أو نتّبع كيفية قراءة النص وليس النص ذاته. والطامة الكبرى هي أننا لسنا القراء. غيرنا يقرأ لنا فبدلا من أن ينير النص لنا الظلمات أو أن نُشعل الشموع بأنفسنا لننيرها، نقبل إضاءة النفق من قبل غيرنا وإن كان بألوان لا نراها مناسبة.
ومن غير الممكن لأي شخص قراءة النص للآخرين دون سلطة ومعرفة. ومن يحتكر السلطة والمعرفة يحتكر القراءة. الداعية أو الواعظ أو العالم يحتاج إلى من يوصل صوته وقراءته. ونحن نسمع صوت الداعية من خلال الإعلام. وما من حقل أو ميدان تتلاعب به السلطة والمعرفة مثل الإعلام. والإعلام يملكه أصحاب رأس المال. إنشاء محطة تلفزيونية واحدة يحتاج إلى ما لا يقل عن 50 مليون دولار. وتطل على العالم العربي والإسلامي اليوم مئات المحطات، كل واحدة منها تسعى إلى ''كسب عقول وأفئدة» العرب والمسلمين، كما يقولون في الغرب. هل نجحوا في ذلك؟ أقول نعم، إن كان قصدهم كسب أصحاب السلطة والمعرفة، ولا وألف لا إن كان قصدهم كسب قلوب عامة الناس.
ولهذا نرى أن قلوب وعقول الناس في واد ومسعى الإعلام وموظفيه ومموليه في واد آخر. وهذه الفرضية لا تنطبق على الغرب، حيث يجري هناك غسل قد يكون شاملا للأدمغة. ومن نتائج هذا الغسل أن ساوى الإعلام الغربي بين العنف الذي استخدمه الجندي الإسرائيلي المدجج بالسلاح والطيران الحربي والبارجات وبين نشطاء على متن سفينة مساعدات كانت تبحر صوب غزة المحاصرة وهم يدافعون عن أنفسهم بالكراسي وأدوات المطبخ. عُرضت هذه اللقطات على مدار الساعة من قبل محطات إعلامية غربية بارزة وكم أدهشني لا بل صعقني التأثير الذي أحدثته في العقول هنا.
أنا لا أستخف بعقول الناس في الغرب. حاشا. لكنني أحاول أن أُظهر كيف أن احتكار قراءة وتفسير الحدث وأدوات إيصاله وتفسيره يؤثر في عقول الناس! ولن أجافي الحقيقة إن قلت إن العقل العربي عقل عصي الاختراق لا تنفع معه سبل احتكار القراءة والتفسير إن كان للنص أو الحدث بالطريقة الغربية. ألم يقاوم هذا العقل كل المحاولات المستميتة من أصحاب الكتاب من اليهود والنصارى قبل الإسلام لاستمالته؟ هذا العقل ذاته قاوم حتى الرسالة ذاتها واستغرق قبوله لها كثيرا من الدماء في صراع مرير كان الأب يقتل فيها ابنه. وعندما تيقن أن الرسالة سامية المرمى وسماوية الهدف وأرفع شأنا مما لديه من فكر وكتب قبلها وقاتل في سبيلها وأنار ظلمات الدنيا بها.
الرسالة فكر. والفكر لا يُحارب بالسلاح والجنود. الفكر لا يمكن احتلاله، كما تحتل الجيوش البلدان والأمصار. الفكر يُحارب فقط من قبل فكر أفضل منه. أسلوب الحياة وآراء الناس لا يمكن احتلالها أبدا إلا من خلال تقديم نموذج أفضل وآراء أكثر قبولا وتأثيرا. ولهذا ترى أن المليارات التي أنفقها الغرب ومريدوه في الشرق العربي والإسلامي لكسب ''العقول والأفئدة» ذهبت أدراج الريح. ما هو النموذج والفكر الذي قدمه الغزاة الغربيون في العراق غير القتل والتدمير وإثارة طائفة أو قومية ضد أخرى؟ ولهذا عليهم أن يولوا الأدبار ويرحلوا. وما هو النموذج الذي قدمه الغزاة في الشيشان أو أفغانستان غير القتل والتدمير؟ وفي نهاية المطاف سيولون الأدبار ويرحلون. أما فلسطين، فجرحها كبير ونموذج غزاتها شنيع. هل الغزاة في فلسطين سيولون الأدبار ويرحلون؟ أقول وبثقة مطلقة، نعم. والسبب، لأنهم لا يزالون يحاربون الفكر والنموذج بوسائل مقيتة فشلت حتى الآن في تقديم نموذج مقبول لدى محيطهم.
وانظر ماذا يمكن أن يفعل استغلال السلطة والمعرفة من خلال الإعلام. تسمع داعية وواعظا يغدق في الدعاء للمجاهدين المسلمين في الشيشان ولا يذكر حسنة واحدة للمجاهدين إن في فلسطين أو أفغانستان أو العراق. وأكثر ما هالني كان قراءتي وسماعي تعليقات في الإعلام العربي تلقي باللائمة على النشطاء الأتراك الذي قُتلوا في سبيل إيصال معونات إنسانية إخونهم المسلمين المحاصرين في غزة. أنا أقرأ الإعلام الإسرائيلي بانتظام ولم ألحظ كلمة إيجابية واحدة تجاه المذبحة التي اقترفها جيشهم، ومع ذلك ينبري بعض الإعلاميين العرب ومواقعهم بالدفاع عن الفعلة الشنيعة التي اقترفها هذا الجيش الغازي. هكذا موقف لا ينطلق عن عقل عربي أو إسلامي سليم. إذا كان الغرب قد فشل في جبروت سلاحه والسلطان المطلق لإعلامه في استمالة العقل العربي والمسلم لقراءته وتفسيره للنصوص والأحداث، فإن سقوط قراءة وتفسير مريديه للنصوص والأحداث سيكون مدويا وصاعقا.