مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية خارج أمريكا الشمالية .. الآفاق والتحديات
قبل سنوات قليلة وبالتحديد ابتداء من عام 2007، حدث تطور غير متوقع بشكل مفاجئ في صناعة الغاز الطبيعي في أمريكا الشمالية, حيث ازدادت إمدادات الغاز الطبيعي من المصادر غير التقليدية بصورة كبيرة جدا، خصوصا من طبقات الصخر الزيتي (السجيل الصخري), وذلك باستخدام التقنيات الحديثة في مجال الحفر الأفقي وتقنيات التكسير Fracturing Techniques الحديثة. هذا وتضاعفت تقريبا كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية في الولايات المتحدة منذ عام 2000. حيث يمثل الغاز المنتج من هذه المصادر اليوم أكثر من 50 في المائة من مجموع الإنتاج المحلي الكلي للغاز في الولايات المتحدة، حسب إحصائيات وزارة الطاقة الأمريكية US Department of Energy, نتيجة لذلك وبعد سنوات من انخفاض إنتاج الغاز الطبيعي بدأت إمدادات الغاز في أمريكا الشمالية تنمو من جديد، وبسرعة فاقت جميع التوقعات السابقة.
هذه الثورة في إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية أثرت إيجابا في صناعة الغاز في أمريكا الشمالية, لكن هذه الموارد غير التقليدية من الغاز لا تقتصر على أمريكا الشمالية وحدها, حيث تتوافر أيضا مصادر غير تقليدية للغاز الطبيعي في أنحاء أخرى من العالم.
لكن هل إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية سينتشر عالميا أيضا؟ الجواب سيكون له تأثير كبير في المستهلكين والموردين في جميع أنحاء العالم، وفي اختيار الوقود المستخدم لتوليد الطاقة الكهربائية. وسيكون أيضا ذا أهمية كبرى لصناعة وأسواق الغاز التي بدأت تصبح عالمية بفضل خطوط الأنابيب التي تمتد إلى مسافات طويلة والغاز الطبيعي المسال. إذا كان الجواب «نعم» ، فإنه ستتم زيادة المنافسة في صناعة الغاز الطبيعي, لكن في الوقت نفسه، سيتم توفير مزيد من الأمان لمستخدمي الغاز, وبالتالي توسيع السوق للغاز الطبيعي.
هذا السؤال بالتحديد له أهمية خاصة بالنسبة لأوروبا، التي تعد ثاني أكبر سوق للغاز في العالم, التي تستورد ما يقرب من نصف إمداداتها. وهو أيضا مهم لدول آسيا التي تستورد كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال وتواجه احتمال زيادة الطلب في المستقبل بسرعة.
عدد من مراكز البحث قام أخيرا بتقييم حجم موارد الغاز الطبيعي غير التقليدية خارج أمريكا الشمالية, حيث تشير هذه الدراسات إلى أن كمية الغاز الإجمالية القابلة للاسترداد من السجيل الغازي فقط في بقية أنحاء العالم تقدر بين خمسة آلاف و15 ألف تريليون قدم مكعبة، أي ما بين أربعة و14 مرة بقدر ما في أمريكا الشمالية. موارد الغاز من حجر السجيل في أوروبا تصل إلى ثلث تلك الموارد في أمريكا الشمالية.
كميات الغاز القابلة للاسترداد من الأشكال الأخرى للغاز الطبيعي غير التقليدي، مثل غاز طبقة الفحم والغاز الموجود في طبقات الرمال المتراصة أو المحكمة Tight Sands، هي أقل، حيث تقدر بما بين ربع وثلث الكميات القابلة للاسترداد من موارد السجيل الغازي. جميع أنواع الغاز القابل للاسترداد من المصادر غير التقليدية خارج أمريكا الشمالية تقدر حسب آخر الإحصائيات بين ستة آلاف و20 ألف تريليون قدم مكعبة، مقارنة بـ عشرة آلاف تريليون قدم مكعبة من الغاز التقليدي القابل للاسترداد, بالطبع هذه التقديرات ستكون أكثر دقة عند توافر مزيد من البيانات وعندما تبدأ عمليات تطوير تلك المصادر.
السؤال هنا: كم من الوقت سيستغرق حتى يمكن الاستفادة من هذا المخزون الكبير من مصادر الغاز غير التقليدية؟ بعد النجاح في تطوير تقنيات الحفر الأفقي وتقنيات التكسير Fracturing Techniques الحديثة في ولاية تكساس، هذه العمليات التشغيلية سرعان ما انتشرت في جميع أنحاء الولايات المتحدة وكندا. ويتوقع بعضهم بصورة مماثلة أن تنتشر أيضا بسرعة في أماكن أخرى من العالم. ربما ينظر البعض إلى أن النجاح الكبير في استثمار الموارد غير التقليدية من الغاز الذي تحقق في أمريكا الشمالية حدث بين عشية وضحاها, لكنه في الواقع كان ثمرة جهود مضنية من البحث والتطوير على مدى عدة عقود. في الواقع هناك حاجة إلى كثير من الوقت لإتقان تقنيات الحفر التي تزيد الإنتاجية, وكذلك تعمل على خفض التكاليف بما يكفي لجعل الإنتاج من المصادر غير التقليدية مجديا من الناحية الاقتصادية. لكن التكنولوجيا ليست العنصر الوحيد في تحقيق النجاح.
أمريكا الشمالية كانت لها مزايا ملحوظة أخرى في هذا المجال, حيث كانت جيولوجيا وطبيعة التراكيب المكمنية لهذه المصادر مفهومة جيدا، كما أن المناطق الرئيسة الأولية لوجود هذه المصادر لم تكن مزدحمة بالسكان، وكانت خطوط الأنابيب والبنى التحتية الأخرى متوافرة في الجزء الأكبر منها، وكانت هناك أيضا سوق كبيرة ومنظمة للغاز. علاوة على كل ذلك، فإن نظام الملكية وحقوق الموارد الطبيعية في باطن الأرض وضعت منذ أكثر من قرن ونصف القرن. وكي تنجح هذه التجربة خارج أمريكا الشمالية، صناعة مصادر الغاز غير التقليدية عليها أولا أن تتغلب على عدة تحديات رئيسية. أهم هذه التحديات هو الحصول على حق التنقيب في الأماكن المحتملة لوجود هذه المصادر وجعل العمليات الإنتاجية مجدية من الناحية الاقتصادية.
يواجه الحصول عل حق التنقيب في المناطق المأهولة بالسكان، مثل أوروبا، أو في أجزاء من آسيا، بعض التحديات والصعوبات. كذلك يبدو هو الحال نفسه في بعض الأجزاء الأكثر كثافة سكانية في أمريكا الشمالية. كما أن عمليات الحفر غير التقليدية تكون مجدية وتحقق عوائد على الاستثمار عندما تتم على مساحات واسعة. لكن هذا سيزيد من تحديات الحصول على حق التنقيب ويضيف أيضا تحديات تشغيلية مختلفة. عمليات تسويق موارد الغاز غير التقليدية تمثل تحديا آخر لها. في المناطق المحتملة البعيدة، حيث من السهل الحصول على حق التنقيب هناك، غالبا ما تفتقر هذه المناطق إلى وجود البنية التحتية الأساسية اللازمة لجمع ونقل الغاز. التحدي الآخر هو على المنقبين وأصحاب الموارد الاتفاق مسبقا على شروط العقد الأولي قبل أن يكون هناك تصور كامل لإمكانية وجود الغاز من طبقات السجيل في المناطق المحتملة. انخفاض أو تنظيم أسعار الغاز في بعض الأسواق المستهدفة تمثل تحديا آخر لعمليات التسويق.
من المعوقات الأخرى التي يمكن أن تحد من انتشار عمليات تطوير مصادر الغاز غير التقليدية خارج أمريكا الشمالية هو نقص الخبرة المتخصصة, فضلا عن توافر معدات الحفر والخدمات الأخرى بصورة كافية. تحد من هذا النوع ممكن التعامل معه والتغلب عليه مع مرور الوقت، لكن سيؤخر النشاط في المدى القصير. قضايا المياه تمثل تحديا آخر. لإنتاج الغاز من طبقات السجيل أو من طبقات الرمال المتراصة أو المحكمة Tight Sands، على المنتجين استخدام المياه ذات الضغط العالي لكسر الصخور. ربما تتباطأ عمليات إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية نتيجة التنافس على الموارد المائية, خاصة بالقرب من المناطق الحضرية، فضلا عن المخاوف بشأن احتمال التسرب.
إنتاج الغاز من طبقات الفحم الحجري يتم بالفعل حاليا في كل من أوروبا، الصين، أستراليا وكولومبيا. كما ستضاف روسيا إلى قائمة قريبا. عمليات التنقيب ومنح التراخيص لتطوير الغاز من طبقات السجيل جارية حاليا في أوروبا، الصين والهند، على الرغم من أنه لم يتم بعد أي إنتاج من هذه المصادر خارج أمريكا الشمالية. أنشطة إنتاج الغاز من طبقات السجيل ملحوظة في أوروبا في كل من السويد، المملكة المتحدة، بولندا، ألمانيا والمجر، حيث تم بالفعل إجراء بعض عمليات الحفر التجريبي. كما تعد عمليات إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية واحدا من المجالات الرئيسة للتعاون في مجال الطاقة بين الصين والولايات المتحدة.
مشاريع الغاز غير التقليدية خارج أمريكا الشمالية من المرجح أن تنطوي على تعقيدات قانونية وتنظيمية أكثر مما كانت عليه في الولايات المتحدة وكندا، التي تتطلب قدرات ليست تقنية فحسب، بل أيضا علاقات حكومية وشركات مؤهلة. في آسيا وأوروبا أصحاب الموارد في حاجة أيضا إلى تطوير أساليب جديدة لتقديم العطاءات ومنح التراخيص والتشغيل. أظهرت التحليلات الأولية أن كل مشروع للغاز من المصادر غير التقليدية يبدو في حاجة إلى نموذج عمل خاص وتقنية حل خاصة.
مع كل هذه التحديات في نهاية المطاف من المتوقع أن تنتشر عمليات الإنتاج من المصادر غير التقليدية في جميع أنحاء العالم. هذا ما يحدث عادة في مجال تكنولوجيا صناعة النفط والغاز. في الواقع الانتشار بدأ بالفعل وأخذ يكتسب زخما, لكن الأمر ربما يستغرق وقتا، ويحتاج إلى الإبداع والابتكار التقني والمؤسسي.
تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة أنه يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.