قابلية العمالة للحركة

يعتبر بحث العمالة عن فرص وظيفية أفضل من إحدى وسائل رفع الإنتاجية, التي تقود إلى رفع الناتج المحلي الإجمالي. نسبة كبيرة من العمالة تعمل في وظائف خارج مجال اختصاصها أو تعمل في وظائف تتطلب مهارات وجهودا أقل من إمكاناتها وقدراتها. وتغيير الأعمال يقود إلى إيجاد تطابق أكبر بين قدرات العاملين والأعمال التي يؤدونها، وكلما ارتفعت نسبة المواءمة بين قدرات العمالة والأعمال ارتفعت الإنتاجية وتحسنت الدخول. ويسعى جزء كبير من العمالة إلى رفع مهارته للحصول على أعمال أفضل وأعلى أجراً حتى لو تطلب الأمر بعض التضحيات كالانتقال وترك الأعزاء. وكلما ارتفعت نسبة الساعين إلى رفع الاستثمار في ترقية قدراتهم ارتفعت قابلية العمالة للحركة بين القطاعات الاقتصادية وبين الأماكن الجغرافية. وترتفع قابلية العمالة للحركة مع ارتفاع منافع تغيير الأعمال وتنخفض مع ارتفاع تكاليف الانتقال إلى أعمال وأماكن جديدة.
وترتفع مستويات البحث عن أعمال تدر دخولاً أكبر وتغيير أماكن الأعمال ونوعيتها في الاقتصادات المتمتعة بدينامكية أكبر. ويدل ارتفاع درجة تغيير الأعمال في دولة ما على وجود تحولات دائمة في الاقتصاد بسبب ظهور وصعود صناعات ومؤسسات إنتاجية جديدة واندثار صناعات وشركات أخرى وبروز مناطق جغرافية وتراجع مناطق أخرى. وتتصف الاقتصادات المتقدمة بديناميكية عالية في مجال تغيير الأنشطة الاقتصادية والمؤسسات الإنتاجية وأماكن الأنشطة الاقتصادية. وتتطلب مثل هذه الدينامكية وجود قابلية كبيرة لدى العمالة لتغيير الأعمال والانتقال إلى مجالات وأعمال وأماكن جديدة بحثاً عن الأفضل. وتشير الإحصاءات في عدد من الدول المتقدمة إلى أن العمالة في المتوسط تغير أعمالها عشر مرات خلال حياتها العملية، أي أن العامل يغير عمله كل ثلاث أو أربع سنوات.
وترتفع قابلية حركة العمالة كلما انخفض عمر العمالة، فالشباب لديهم استعداد أكبر للانتقال إلى أعمال جديدة وأماكن جديدة سعياً إلى تحسين أوضاعهم المعيشية وبسبب انخفاض تكاليف الانتقال إلى أعمال وأماكن جديدة مقارنةً بالعمالة الأكبر سناً. فكلما ارتفع عمر الإنسان ارتفع أجره ومنافعه في عمله القديم وكبر حجم عائلته ومستوى ارتباطه سواءً بالعمل أو بالمكان. وتميل العمالة الأكثر تأهيلاً وتعليما, خصوصاً الحاصلة على التعليم الجامعي إلى الانتقال إلى أعمال وأماكن أخرى بسبب ارتفاع حجم عائد الانتقال وسعيها للحصول على عمل أكثر مناسبةً لقدراتها. أما العمالة منخفضة الخبرة ومحدودة الإمكانات فإن عائد انتقالها منخفض ولهذا تفضل البقاء في أماكنها. وترتبط العمالة محدودة الإمكانات ببعض المهن مثل الزراعة أو الرعي, وترتبط كذلك بوشائج وجدانية تجاه أسلوب الحياة أو مكان المعيشة. وتؤثر الحياة الأسرية في قابلية انتقال العمالة, فتكاليف انتقال المتزوجين أو العائلات أكبر من تكاليف انتقال العزاب، ولهذا يتصف الباحثون عن أعمال جديدة في أماكن جديدة بكونهم من الشباب الذين حصلوا على تعليم جيد أو أفضل من المتوسط على الأقل وليس لديهم ارتباطات عائلية قوية. وتؤثر المسافة إلى العمل الجديد في قابلية العمالة للحركة، فكلما بعدت المسافة ارتفعت تكاليف الانتقال وتحتم دفع حوافز أكبر لدفع العمالة نحو الانتقال. ووجد أن نسبة كبيرة من العمالة تغير أعمالها إلى أماكن قريبة من موطنها الأصلي. وتصعب الحركة أكثر مع تغير بلد العمل وبعد المسافة والعادات والتقاليد والمعتقدات, ولهذا فإن العمالة الأجنبية التي تعمل في بلد آخر تتوقع أجوراً أكبر بكثير من الممكن الحصول عليها في بلدها الأم. وتتحمل العمالة المسلمة والعربية بالذات والقادمة إلى المملكة تكاليف انتقال أقل من غيرها بسبب تقارب عادات ومعتقدات المسلمين والعرب بشكل عام. ولهذا قد يقبل المسلمون والملتزمون بوجه خاص بأجور أقل من غيرهم رغبةً في المعيشة في المملكة وفي أماكن محددة بسبب انخفاض تكاليف الانتقال مقارنةً بغيرهم وارتفاع منافعهم غير المادية. وتؤثر الأنظمة في قابلية العمالة للحركة حيث تخفض الأنظمة المعيقة للحركة من تدفق العمالة بسبب رفعها تكاليف الانتقال، فوجود أنظمة تمنع أو تحد من استقدام العائلات أو الأطفال يرفع تكاليف قدوم العمالة عالية المهارة التي تكون في العادة أكبر سناً وأكثر تعليماً ولديها روابط أكثر، ولهذا يصعب قدوم مثل هذا النوع من العمالة ما قد يسهم في خفض نوعية وإنتاجية العمالة الأجنبية. وتؤثر قيود الاستقدام بالذات في إنتاجية العمالة الأجنبية, وربما تتسبب في انخفاضها, كما تمثل الأنظمة الأخرى التي تمنع أو تعوق شراء عقار وسلع أو الاستثمار عوائق أمام حركة العمالة. وتلعب أنظمة الكفالة بالذات دوراً قوياً في الحد من قابلية الحركة لدى العمالة وتتسبب في خفض كبير للإنتاجية. واستخدام هذه الأنظمة أمر متروك للمجتمع لكن إقرارها يؤثر في كفاءة العمالة ويخفض من إنتاجيتها. ولا تقتصر خصوصية قابلية حركة العمالة في المملكة على الأنظمة المتعلقة بالعمالة الأجنبية, بل هناك خصوصية فيما يتعلق بعمل المرأة, حيث يصعب انتقال المرأة للعمل في أماكن بعيدة عن الأسرة, كما يصعب تنقل المرأة وحدها. ومع هذا نلاحظ إصرارا لدى عديد من النساء على قطع مسافات كبيرة يومياً لمباشرة أعمالهن والمحافظة عليها، الذي أسهم في رفع إنتاجية العمالة السعودية ولو بجزء يسير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي