اليورو .. انحدار جلب تداعيات

كان هذا شهر بؤس للمدافعين عن التكامل الأوروبي. عندما بدأت الأزمة اليونانية، ظن أنها سحابة صيف وتمر, لكن كل يوم يمر يكشف أن السحابة قاتمة وتزداد سوءا. أسواق الأسهم العالمية ومعدلات الفائدة بين البنوك في ارتفاع واليورو في انحدار حاد تجاه العملة المنافسة الأولى الدولار. يبدو أن اليورو سيستقر على سعر صرف قريب مما كان إبان سنته الأولى، حيث كانت قيمته قريبة من قيمة الدولار. الأزمة تجاوزت حدود اليونان كثيرا.
ماذا يجمع بين اليونان وبنك لهمان الاستثماري، الذي انهار في أيلول (سبتمبر) 2008؟ رغم التشابه المبدئي بين الاثنين، إلا أن هناك فروقات. فلدينا معلومات أكثر عن مشكلة ديون الحكومات وعن حجم الديون تحت خطر الامتناع عن السداد حسب الاتفاق.
لكن هناك تشابها في شدة الغموض والمجهول عن فهم قوة نقل القطاع المالي المشكلات إلى القطاعات الأخرى في أرجاء الدنيا. هذا يعيد إلى كيفية نشوء الأزمة المالية العالمية، مشكلات القطاع المالي انتقلت إلى القطاع الحقيقي وجاء الركود.
الحكومات هي الملاذ الأخير في الأزمات الاقتصادية ومنها المالية. عولجت الأزمة بتحمل الحكومات أعباء الأوجاع الناشئة من ديون القطاع الخاص. من المفارقة أن هذا العلاج للأزمة جلب أزمة. ملاءة الحكومات نفسها الآن أصبحت موضع سؤال. وتخصيصا دول مثل اليونان وإسبانيا لحقت ركب دول نامية مرت بأزمات مالية خلال العقود الماضية. طبعا هناك فروقات. عملة مشتركة مع دول صناعية ذات ثقل وهناك اتفاقات وعولمة وترابط بين الأسواق أقوى من ذي قبل.
من المفارقات محاولات نقل عبء الديون من طرف إلى طرف. وهذا النقل صنع بذور مشكلة الديون السيادية. وقد بين كل من كارمن رينهارت من جامعة ميرلاند وكينيث روجوف من جامعة هارفارد في كتاب يوثق تاريخ الأزمات المالية أن الإفراط في الاستدانة سواء من الحكومة أو من القطاع الخاص يجلب مخاطر أقوى مما يظن خلال فترات الازدهار الاقتصادي. ويمكن أن يفهم ذلك من كون الازدهار يجلب نهايته بنفسه، لأنه يحفز سلوكيات تعمل على تقويض التوسع، وبالأخص يجلب التوسع ضغوطا تضخمية تصنع آثارا وسلوكيات تنهي التوسع. وقد رأينا في الأزمة المالية العالمية كيف أن النمو الاقتصادي العالمي أنتج إفراطا في السلوك المالي وضع بذور الركود.
وهناك علاقة بين المديونية العامة وحجم وهيكل القطاع العام وتكوين الإيرادات والنفقات. وهي قضايا مؤثرة في استدامة المالية العامة. وفي نطاق هدف الاستدامة، ينبغي أن تمارس السياسة النقدية بالتناغم مع السياسة المالية، نظرا لأن الأخيرة وسيلة فاعلة لاكتساب الاستقرار في ظل ظروف تتسم بشدة التقلبات الخارجية ذات التأثيرات بالغة الحدة في الأوضاع الاقتصادية المحلية. وجاءت الأزمة المالية العالمية لتزيد تأكيد هذه النقطة. وهنا يثير نقطة يهم بحثها الدول الخليجية الأربع: السعودية, الكويت, قطر, والبحرين التي تنوي إصدار عملة خليجية. يفترض على هذه الدول بحث موضوع تأثير معدلات التوسع في الإنفاق العام على الاتحاد النقدي. وبالنسبة لدول مجلس التعاون، هذا التوسع مرتبط بأسعار النفط المستقبلية المتوقعة، ومرتبط بكون بعض الدول في وضع أفضل من بعض. والتوسع في الإنفاق العام يحفز على توسع الدين العام.
وزيادة الدين العام الأوروبي بحدة خلال السنوات الأخيرة ليس كله من جراء عمليات الحكومة المحضة, فنسبة الدين العام في منطقة اليورو انخفضت من نحو 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عند ولادة اليورو عام 1999 إلى نحو 65 في المائة بعد ثماني سنوات، أي عند ظهور الأزمة المالية العالمية. وفي المقابل، زادت المؤسسات المالية ديونها من ضعف الناتج المحلي الإجمالي إلى الضعف والنصف، أي إلى نحو 250 في المائة. وكان التمويل العقاري والاستهلاكي مسؤولا بدرجة كبيرة عن هذه الزيادة.
من البعيد أن تدفع أزمة اليورو إلى وقف التعافي العالمي من الأزمة المالية العالمية، لكن من المحتمل جدا أن تعيد الاقتصادات الكبيرة والاقتصاد العالمي عموما إلى مسار غير مرغوب فيه، كخفض درجة التعافي بحدة.
وفي إطار هذا الفهم لتأثير أزمة اليورو، يرى محللون كثيرون أن الانتكاسة التي أصابت أسواق الأسهم وأسواق السلع لم تكن قوية إلى حد إيقاف التعافي. ويرجع كثيرون ذلك إلى عدة أسباب. منها أن المخاطر على القطاع المالي أصبحت أقل حدة من المخاطر التي أحاطت بالقطاع في بداية الأزمة المالية العالمية, كما أن صانعي السياسات أصبحوا على وعي أكثر بالتعامل مع المخاطر المحيطة بعمل الأسواق المالية.
نعرف وجود ضغوط غربية على الصين لرفع قيمة عملتها الرنمبي. كانت هناك استجابات من الصين، لكن أزمة اليورو أعطت الصين فرصة للتراجع عن فعل ذلك لأنه سيعمل على خفض تنافسية صادراتها. بينما نرى زيادة تنافسية الصادرات الأوروبية بسبب الانخفاض الحاد في اليورو تجاه عملات العالم الرئيسة، بما في ذلك العملة الصينية.
لم تنته الأزمة المالية تماما فمازالت ذيولها موجودة. فعلى سبيل المثال، هناك ارتفاع في أسعار الفائدة التي تتقاضاها البنوك على الأموال المقترضة فيما بينها. ويفهم كثيرون من هذا الارتفاع على أنه مؤشر لهبوط في مستوى الثقة بين البنوك.
اتخذت خطوات لمعالجة أزمة الدين اليوناني الحكومي، وخطوات أخرى احترازية لمنع انتقال الأزمة، أو بتعبير أدق محاولة منع انتقالها، أو الحد من ذلك بصورة كبيرة. لكن النتائج طبعا غير مضمونة. ماذا لو لم تنجح هذه المعالجات والخطوات الاحترازية، ورأينا دولا أوروبية جنوبية تتجه نحو إعلان الإفلاس؟
طبعا الدول الأوروبية الكبرى سارعت إلى تطويق الأزمة، وهذا أظهر بجلاء نقاط ضعف في الاتفاقيات التي أدت إلى ولادة اليورو. ومن هذه النقاط منع تقديم الدعم المالي لعضو يحتاج إلى إنقاذ. لكن الدول ترى الآن أن أسواقها المالية تتضرر من جراء تصرفات العضو اليونان، ما اضطرها إلى التدخل وخرق بعض ما تم الاتفاق عليه سابقا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
باختصار يتطلب الاتحاد النقدي والعملة الموحدة تدابير تتجاوز بكثير ما تم الاتفاق عليه قبل ولادة اليورو، وفي هذا درس عظيم الفائدة لدول مجلس التعاون، حيث إنها تعول كثيرا على اتباع التجربة الأوروبية، وأشار إلى هذه النقطة قبل أيام وزير الخارجية الكويتي. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي