رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الوقود الحيوي في الصين .. المنشأ .. الواقع .. المحفزات ومستقبل النمو(1من2)

تعد الصين حاليا ثاني أكبر بلد في العالم مستهلك للطاقة بعد الولايات المتحدة، يهيمن الفحم الحجري بشكل كبير ومصادر الطاقة الأخرى من الوقود الأحفوري على استهلاكها للطاقة. ملامح سياسات الحكومة الصينية في مجال أمن إمدادات الطاقة، وحماية البيئة وتقليل تأثيرات التغير المناخي تشير إلى أن الصين في حاجة إلى التوسع في استخدام الطاقات الجديدة والمتجددة وأنواع الوقود البديلة لمواكبة قوة النمو السريع للاقتصاد بشكل عام، وقطاع النقل بشكل خاص.
يتناول هذا المقال واقع تطور إنتاج الوقود الحيوي في الصين في الوقت الحاضر وفي المستقبل، والسياسات التي تتبعها الحكومة الصينية في هذا الجانب، والعقبات التي تواجه ذلك. الأسلوب والسياسات التي تتعامل بها الصين في تطوير إنتاج واستهلاك الوقود الحيوي ربما تكون نموذجا مهما للدول الأخرى التي تحاول تطوير الوقود الحيوي في بلدانها مثل الهند وباقي الدول النامية. حيث عززت الصين بالفعل نفسها كلاعب رئيس في العالم في مجال إنتاج الوقود الحيوي، حيث تأتي بالدرجة الثالثة بعد البرازيل والولايات المتحدة في إنتاج الوقود الحيوي واستهلاكها، وهي متقدمة بكثير على الدول الأخرى في هذا المجال. لقد انخرطت الصين في إنتاج الوقود الحيوي على مدى العقدين الماضيين, وجهودها في البحث والتطوير في هذا الجانب مهدت الطريق في التوسع في إنتاج الوقود الحيوي والاستهلاك على نطاق واسع في جميع أنحاء البلاد, لكن المخاوف التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة بخصوص الأمن الغذائي، جعل إنتاج الوقود الحيوي هو الآخر في الصين في وضع حرج بعض الشيء. وواقع إنتاج الوقود الحيوي في الصين يعكس واقع الطاقة المحلية في مجال سياسات أمن الإمدادات، الاقتصاد والزراعة. على الرغم من أن الصين لديها الأهداف نفسها في السعي إلى تحقيق التنمية في مجال إنتاج الوقود الحيوي، إلا أن إنتاج الإيثانول والديزل الحيوي قد اتخذا مسارات مختلفة. حيث إن سياسات البحث والتطوير والتنفيذ تمت على مراحل مختلفة, ذلك لأن المواد الزراعية الداخلة في عمليات الإنتاج والتكنولوجيا المستخدمة ومجال استخدام المنتج النهائي تختلف إلى حد كبير بين الإيثانول والديزل الحيوي. لذلك، سيتم التطرق إليهما في هذا المقال بصورة منفصلة، على الرغم من وجود عوامل مشتركة بينهما.
عمليات البحث والتطوير، وإنتاج الإيثانول في الصين تمت على ثلاث مراحل متلاحقة: في المرحلة الأولى التي امتدت بين عامي 1986 و2001 كانت مرحلة تقصي وبحث وتطوير. في هذه المرحلة قامت مجموعة بحثية بإجراء عملية اختبار في مدينة نانيانج في مقاطعة خنان لإنتاج 200 ألف طن متري من الإيثانول. هذا واختارت الحكومة الصينية هذه المدينة بالتحديد للقيام بالتجربة الأولى, وذلك بسبب وجود فائض كبير من القمح فيها، وهو المادة الرئيسة التي تم اعتمادها لإنتاج الإيثانول في الصين. من هذا المشروع التجريبي انبثق برنامج على المستوى الريادي لإنتاج الإيثانول ومزجه مع البنزين, وتم استخدام هذا المنتج بصورة تجريبية في مدن المقاطعة المختلفة.
في المرحلة الثانية التي امتدت بين عامي 2001 و2004 كانت مرحلة الإعداد للبنى التحتية التشريعية، بما في ذلك الحوافز المالية, حيث أقرت المرحلة التشريعية معايير ومواصفات الإيثانول والنظام القانوني الذي ينظم عمليات الإنتاج والنقل والمبيعات. وأولى هذه التشريعات صدرت في نيسان (أبريل) من عام 2001، هذه اللوائح حددت طبيعة وقود الإيثانول ومزيج البنزين والوقود الحيوي للسيارات، ووضعت معايير الإنتاج للمزيج E10. وبعد مرور عام في آذار (مارس) 2002، بدأت الحكومة الصينية في تطبيق القانون المتعلق باختبار استخدام مزيج البنزين والوقود الحيوي في السيارات، وإطلاق نموذج لإدخال E10 في مناطق استراتيجية للصين. وأدرجت خطة استخدام الإيثانول الحيوي في الخطة الخمسية (2001-2005) العاشرة، وتم إنشاء نظام قانوني لاستخدام الوقود الحيوي والمواد الخام ذات الصلة المطلوبة, وهذا النظام ينظم إنتاج الإيثانول والنقل والمبيعات.
أما في المرحلة الثالثة التي امتدت من 2004 إلى الوقت الحاضر، وبعد نجاح البرامج الريادية والتوسع التدريجي في الإنتاج، أعلنت الصين قانونها المتعلق باختبار الاستخدام الواسع النطاق لمزيج الإيثانول والبنزين للسيارات. كما أعلنت في الوقت نفسه اللوائح والإجراءات المتعلقة بهذا القانون. وكانت هذه بداية المرحلة الثالثة. حيث إن جميع الشروط المتوافرة ذات الصلة لتمديد هذا البرنامج التجريبي جعل هذه الخطوة إلى الأمام ممكنة, إضافة إلى ذلك كانت جميع الإمكانات اللوجستية وعمليات الإنتاج والمبيعات ناجحة على النطاق التجاري.
في بداية عام 2009، كان في الصين ثمانية مشاريع لإنتاج الإيثانول بطاقة إجمالية قدرها 2.2 مليون طن متري, أو نحو 47 ألف برميل في اليوم في أربع مقاطعات. في حين إنتاج الإيثانول الفعلي في عام 2008 كان يقدر بنحو 35 ألف برميل في اليوم، ما يشير إلى معدل نمو مرتفع نسبيا. يتم الترويج حاليا لاستخدام مزيج البنزين والوقود الحيوي في الصين في بعض المناطق، بما في ذلك خمس مقاطعات هي: هيلونغجيانج، وجيلين، لياونينج، خنان، وانهوى، إضافة إلى عدة مدن مختارة في مقاطعات أخرى. وبحلول نهاية عام 2010، من المتوقع استخدام مزيج البنزين والوقود الحيوي في جميع المقاطعات باستثناء التبت، شينغهاى، قانسو، نينجشيا ومقاطعة شانشى. إن مزيج البنزين والوقود الحيوي E10 هو الشائع في الوقت الحاضر.
أما بخصوص الديزل الحيوي، فهناك ارتفاع في الطلب على وقود الديزل الحيوي في الصين، حيث إن سوق الديزل الصينية تعد مرتين أكبر من سوق البنزين. لكن الجدوى التجارية هي العقبة الكبرى في إنتاج وقود الديزل الحيوي, حيث إن الصين تستورد جميع أنواع الزيوت النباتية الرئيسية الصالحة للأكل، وهي أكبر مستورد في العالم, ومحليا إنتاج المواد الأولية تعد مكلفة ليتم استخدامها في إنتاج الديزل الحيوي، كما تفتقر الصين إلى الإنتاج التجاري الواسع النطاق من هذه المواد. عدم وجود المواد العضوية الدهنية وعدم وجود الأرض المناسبة التي يمكن أن تنمو فيها محاصيل جديدة يفاقم من صعوبة إنتاج وقود الديزل الحيوي في الصين. نتيجة لذلك، إنتاج الصين من الإيثانول أكثر من إنتاجها لوقود الديزل الحيوي. في أيار (مايو) من عام 2006 اتخذت الصين بعض الخطوات والإجراءات الأولية لتعزيز إنتاج وقود الديزل الحيوي من خلال إنشاء صندوق للتنمية خاص لتشجيع البحث والتطوير والإنتاج. وإنتاج وقود الديزل الحيوي في الصين في المستقبل يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسة: الدعم الحكومي وتحديد خطة واضحة لإنتاج وقود الديزل الحيوي والمواد الخام ذات الصلة من خلال اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح. والبحث والتطوير لترسيخ تكنولوجيات الإنتاج وخفض التكلفة. وتحديد وتوفير مصادر المواد الخام الرئيسة لإنتاج الديزل العضوي بأسعار تنافسية.
الصين لديها طاقات كبيرة ومتزايدة لإنتاج وقود الديزل الحيوي, وفي بداية عام 2009 ، كان في الصين ما مجموعه نحو 2.1 مليون طن، أو 41 ألف برميل في اليوم طاقة إنتاجية متاحة لإنتاج وقود الديزل الحيوي, مقارنة بالإيثانول فإن مشاريع إنتاج الديزل الحيوي أصغر حجما وأكثر عددا متناثرة مع معدلات استغلال أقل بكثير من مشاريع إنتاج الإيثانول. في الواقع إنتاج وقود الديزل الحيوي في 2008 كان فقط ستة آلاف برميل في اليوم، مع معدلات استغلال للطاقات المتاحة أقل بكثير من معدل 20 في المائة.

تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي