تباين أجور العمالة المؤدية للأعمال نفسها

تحدد المؤهلات والخبرات إلى حدٍ كبير مستوى الأجور، إلا أن هناك نتائج غير محددة لارتفاع مستويات مهارات العمالة, فهناك بعض التجارب التي تثبت أن ارتفاع مهارات العمالة بالتعلم والتدريب تقود إلى توقع العمالة الحصول على أجور أعلى, ما يطيل فترة بقاء تلك العمالة بغير عمل ويرفع معدلات البطالة فيما بينها، وهذا يفسر ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين الجامعيين في المملكة. من جهةٍ أخرى، يؤهل التدريب العمالة غير الماهرة للحصول على الأعمال الأعلى أجرا, ما يرفع دخول العمالة ويزيد إنتاجيتها. وتحدد نوعية المنتجات السلعية والخدمية عدد وكمية الأعمال والمهارات المطلوبة لشغلها, ففي الدول التي يحظى اقتصادها بقيمة مضافة عالية تتطلب الوظائف فيها توافر عمالة ماهرة بأعداد كبيرة, ما يرفع الأجور بشكل عام في تلك البلدان، بينما تعاني معظم الدول النامية انخفاض الحاجة إلى عمالة عالية المهارة, ما يؤدي إلى تدني الأجور وانخفاض متوسطات الدخول.
ويتوقع كثير من العاملين الحصول على الأجور نفسها التي يحصل عليها آخرون يحملون المؤهلات والخبرات نفسها، لكن يفاجأ بعضهم بأن مستويات الأجور التي يحصلون عليها تقل عن نظرائهم المؤدين الأعمال نفسها والحاصلين على المؤهلات والخبرات نفسها. فهل هذا مجرد حظ أم أن هناك تفسيراً للاختلاف في مستويات الأجور التي يتقاضاها أناس بمؤهلات متساوية؟
من المسلم به أن عوامل العرض والطلب تحدد مستويات أجور العمالة بشكل عام، لكن يوجد على أرض الواقع تفاوت كبير في الأجور التي يتقاضاها العمال المؤدون لأعمال متشابهة. ويرجع هذا الاختلاف إلى عديد من الأسباب، لعل من أبرزها نوع المؤسسة الإنتاجية وسياساتها في الأجور، فهناك مؤسسات إنتاجية تحقق معدلات أرباح مرتفعة بسبب ارتفاع استثماراتها الرأسمالية أو استخدامها تقنيات متقدمة أو عوامل أخرى. وتحرص مثل هذه المؤسسات على دفع أجور أعلى للحصول على عمالة أكثر كفاءة ولحث هذه العمالة على الالتزام والعمل الجاد ولكسب ولائها من أجل رفع الإنتاجية والمحافظة على مصالح المؤسسات الإنتاجية.
وتدفع المؤسسات الكبيرة والمشهورة أجورا أعلى من الأجور السائدة في الأسواق, وذلك لجذب العمالة الماهرة والحصول على فرص أكبر في اختيار العمالة الأجود. وتتسابق العمالة للعمل في هذه المؤسسات من أجل الحصول على أجور أعلى حيث تعمل الأجور الأعلى في هذه الحالة على رفع الكفاءة في المؤسسات الإنتاجية. وفي المملكة تقوم بعض الشركات الكبيرة مثل ''سابك'' أو ''أرامكو'' بدفع أجور أعلى من الأسواق ليس بدافع حب العمالة وإنما لجذب العمالة الجيدة للعمل بهاتين الشركتين وكسب ولاء العمالة لهذه الشركات. وعند كسب ولاء العمالة تستمر بالعمل لفترات أطول في المؤسسة الإنتاجية نفسها, ما يبرر تدريبها ويقود إلى رفع إنتاجيتها.
وتتباين أجور أشخاص بالمؤهلات والخبرات نفسهما بسبب قدرة بعض الأشخاص على إبراز قدراتهم في المقابلات الشخصية وقدرة المديرين على اختيار العمالة، فقد تتوافر قدرات عادية لدى بعض الأفراد, لكن مهارتهم على تصوير أنفسهم بالتميز تقنع ممن يجرون مقابلات شخصية باختيارهم لشغل وظائف مرتفعة الأجر. وربما يفاجأ المشغلون بعد فترة بمحدودية قدرات من اختاروهم, لكن قد يكون المديرون غير قادرين على تقييم إنتاجية موظفيهم ما يسمح لهؤلاء الأفراد بالاستمرار والمحافظة على وظائفهم, بل الحصول على وظائف أفضل. وتقود بعض المعتقدات الخاطئة التي تميز بين العمالة على أسس غير مرتبطة بالعمل كلون بشرة العمالة أو أشكالها أو جنسيتها أو جنسها على التمييز في الأجور، وهذه الأخطاء والمعضلات تحصل في معظم مجتمعات العالم. وتحاول دول العالم قدر الإمكان التصدي لأشكال التمييز هذه لكن درجة انتشارها واتساعها في المجتمعات تتوقف على مدى نجاح الحكومات المختلفة في التصدي لأشكال التمييز المختلفة, وعلى درجة التمييز السائدة في المجتمع. ويؤثر التمييز بين العمالة على أسس غير مرتبطة بالعمل سلباً في الإنتاجية.
وربما تتفاوت أجور الأشخاص أنفسهم بالمؤهلات نفسها لأسباب يصعب تفسيرها أحياناً من الناحية الاقتصادية، وتلعب بعض الخصائص غير الاقتصادية أو الوظيفية دورا في تباين الأجور. وفي منطقتنا تدخل اعتبارات العلاقة الشخصية كصلات القربى أو المعرفة والصداقة والمحاباة كعامل قوي في تحديد الأجور. وتشير بعض التجارب إلى أن الأفراد من الأسر الفقيرة يميلون إلى قبول أجور تقل عن الأجور التي يقبلها أفراد بالمؤهلات نفسها من أسر غنية، وهذا عائد على ما يبدو إلى انخفاض تكاليف البطالة لدى أعضاء الأسر الغنية أو لأسباب غير اقتصادية كالصلات الفردية والنفوذ والحصول على معلومات أفضل عن الوظائف المناسبة. وعندما يقبل الأشخاص بوظائف أقل مما يستطيعون أداءه فعند ذلك تنشأ ما يسمى البطالة المقنعة. وتؤدي البطالة المقنعة إلى انخفاض إنتاجية العمالة ما يقود إلى انخفاض الناتج المحلي وبقائه تحت مستوياته الكامنة. وتشمل البطالة المقتنعة كثيرا من العاملين في وظائف القطاعين الخاص والعام. ويشتهر القطاع الحكومي في عدد كبير من دول العالم بوجود بطالة كبيرة مقنعة بسبب توظيفه أعدادا أكبر من احتياجاته, وذلك لتعرضه لضغوط قوية سياسية واجتماعية لخفض مستويات البطالة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي