جباية الزكاة على العقارات منفعة للمجتمع وتحريك للتنمية

جباية الزكاة على العقارات منفعة للمجتمع وتحريك للتنمية
جباية الزكاة على العقارات منفعة للمجتمع وتحريك للتنمية
جباية الزكاة على العقارات منفعة للمجتمع وتحريك للتنمية
جباية الزكاة على العقارات منفعة للمجتمع وتحريك للتنمية
جباية الزكاة على العقارات منفعة للمجتمع وتحريك للتنمية

أكد عدد من المختصين في الاقتصاد الإسلامي أن جباية الزكاة على العقارات تعد أحد أقوى العوامل المؤدية إلى تحريك عجلة التنمية في جميع الأصعدة الاقتصادية وما ستقوده إلى نفع عامة المجتمع.
وناقش المختصون قضية زكاة العقارات من حيث وجوبها ومتى لا تجب، وفصلوا في النواحي الشرعية لهذه القضية وأثر نية صاحب الملك في الحكم الشرعي، موردين أقوال أهل العلم والمذاهب المعتبرة.
كما اتفق المختصون في ندوة زكاة العقارات التي نظمتها الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل في قاعة الملك فيصل في فندق إنتركونتننتال الأربعاء الماضي، على وجوب زكاة الأراضي المعدة للتجارة وطلب الربح، كما اتفقوا على عدم وجوبها في حال كان شراء العقار لغرض الاقتناء أو رغبة السكن والاستخدام.
وافتتح نقاش الندوة الدكتور عبد الله العمراني الأستاذ المساعد في كلية الشريعة في الرياض والمدير التنفيذي للهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل، مؤكدا أهمية طرح وعرض واقع العقارات والمساهمات العقارية والنشاط العقاري المتعلق بها.
وبين أن الندوة تهدف إلى تسليط الضوء على الأحكام الفقهية لزكاة الأراضي التي تعد أكبر الأصول التجارية في المملكة، إضافة إلى طرح موضوع المساهمات العقارية وما يتعلق بها من على بساط البحث العلمي، ومناقشة زكاة المستغلات كالأعيان المؤجرة والمصانع ونحوها ومدة اشتراط الحول في غلتها.
وتناول الدكتور عبد العزيز بن فوزان الفوزان أستاذ الفقه المشارك في المعهد العالي للقضاء، وعضو مجلس هيئة حقوق الإنسان في أولى ورقاته في الندوة أثر سبب الملك والنية في زكاة العقارات، وتناول الفوزان ورقته مبحثين هما: أثر سبب الملك في زكاة العقار، وأثر النية في زكاة العقار، وقال: اختلفت فتاوى مشايخنا المعاصرين حول مسائل عديدة يكثر السؤال عنها في زكاة العقارات، وغالبها يتعلق بأثر الملك والنية في وجوب الزكاة في العقار أو عدمها.
ثم تحدث الدكتور الفوازان عن الزكاة لغة واصطلاحا وعن العقار وعن عروض التجارة وبين أن العقار في الاصطلاح هو ''الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر'' وأن عروض التجارة في الاصطلاح هي المراد به في الاصطلاح: كل ما أعد للبيع والشراء بقصد الربح، من جميع أنواع المال، وهذا يشمل جميع الأموال المعدة للتجارة من العقارات، والسيارات، والحيوانات، والمأكولات، والملبوسات، والآلات، ومواد البناء، وغيرها.
ثم تحدث عن وجوب الزكاة في عروض التجارة وشروطها ومقدارها، وتطرق إلى ثلاث مسائل هي: وجوب الزكاة في عروض التجارة، شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة، ومقدار الزكاة الواجبة في عروض التجارة.
واستدل الدكتور الفوزان على وجوب الزكاة على عروض التجارة في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) (البقرة: 267), ونقل عن الشيخ عبد الرحمن السعدي في معنى الآية: ''يحث الباري عباده على الإنفاق مما كسبوا في الاتجار، ومما أخرج لهم من الأرض، من الحبوب والثمار. وهذا يشمل زكاة النقدين، والعُروض كلها، المعدة للبيع والشراء. والخارج من الأرض من الحبوب والثمار. ويدخل في عمومها الفرض والنفل''.
ومن السنة النبوية حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: ( أما بعد: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع)، والأمر يقتضي الوجوب، كما أنه ثبت في عدة أحاديث: الأمر بأداء زكاة المال على العموم، وأموال التجارة هي أعم الأموال وأكثرها، فتدخل في عموم تلك الأحاديث.
أما شروط وجوب الزكاة في عروض التجارة فذكر أنه يشترط لوجوبها شرطان، الأول: أن يحول عليها الحول. والثاني: بلوغ النصاب، ويعد وجود النصاب في جميع الحول، كالأثمان.

#2#

#3#

#4#

أما المسألة الثالثة، وهي مقدار الزكاة الواجبة في عروض التجارة: فبين الفوزان أن نصاب الزكاة فيما أعد للتجارة هو نصاب الأثمان، فيُقوّم إذا حال عليه الحول بما هو أحظ لأهل الزكاة من نصاب ذهب أو فضة، لأنه قد وجب تقويمه شرعاً لحقّهم، ويحصل للفقراء حظ منها ومقدار الزكاة الواجبة فيها ربع العشر بلا نزاع، لأنها زكاة تتعلق بالقيمة، فأشبهت زكاة الأثمان.
ثم تحدث الفوزان عن أنواع العقار من حيث وجوب الزكاة فيه وعدمه وتقسيم أهل العلم العقار من حيث وجوب الزكاة فيه، موضحا أن القسم الأول وهو عقار لا تجب فيه الزكاة مطلقاً، لا في أصله ولا في غلته ولا في منفعته، وهو كل أرض أو دار أو نحوها من العقار الذي لم يعد للتجارة أو للاستثمار، أو للإيجار، أو للزراعة، بل هو للقنية أو الاستخدام الشخصي، وهذا النوع من العقار لا تجب فيه الزكاة باتفاق أهل العلم، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: ''ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة''.
فدل الحديث على أن كل ما أعد للقنية والاستعمال فإنه لا زكاة فيه، مهما بلغت قيمته ما بلغت، لأنه غير مرصد للتجارة والنماء.
اما القسم الثاني، وهو العقارات الني تجب فيه الزكاة بوجه من الوجوه، وهو العقار الذي أعد للتجارة أو للاستثمار أو للإيجار أو للزراعة، وهذا القسم ينقسم إلى أنواع، الأول: الأراضي الزراعية، وهي الأراضي المعدة للزراعة والحرث، وتجب الزكاة في منتجاتها الزراعية، أو في الثمرة الخارجة منها من الحبوب والثمار يوم الحصاد، إذا بلغ النصاب وكانت الحبوب والثمار مما يكال ويوزن، وهذا النوع متفق على زكاته بين أهل العلم من حيث الأصل.
النوع الثاني: العقار المعد للإيجار، وهذا النوع لا تجب الزكاة في رقبة الملك أو في أصله، وإنما تجب الزكاة في أجرته، إذا توافرت فيه شروط الوجوب، وهذا أيضاً متفق عليه بين أهل العلم.
النوع الثالث: العقار المعد للتجارة والكسب، فهذا من عروض التجارة التي تجب فيها الزكاة على ما سبق بيانه في وجوب الزكاة في عروض التجارة.
واستشهد الفوزان بقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ''والأئمة الأربعة وسائر الأمة – إلا من شذ – متفقون على وجوبها في عروض التجارة، سواء كان التاجر مقيماً أو مسافراً، وسواءً كان متربصاً وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى ارتفاع السعر، أو مديراً كالتجار الذين في الحوانيت، سواءً كانت التجارة بزاً من جديد أو لبس أو طعام من توت أو فاكهة أو أدم أو غير ذلك''.
وناقش الفوزان أثر سبب الملك في زكاة العقار، وأنواع العقار من حيث سبب امتلاكه، وقسم العقار من حيث سبب امتلاكه إلى قسمين، الأول: ما يدخل في ملك الإنسان بغير فعل أو كسب منه أو ما يدخل في ملكه قهرا - كما يعبر عنه بعض الفقهاء- كالميراث، أما القسم الثاني: وهو ما يدخل في ملك الإنسان بكسبه وإرادته كالشراء وعقود المعاوضات ونحو ذلك من الأسباب. وهذا القسم يشمل عدة أنواع:
النوع الأول: ما يدخل في ملكه بمعاوضة مالية محضة كالشراء وبدل الإجارة، وهذا النوع فاتفقت المذاهب الأربعة على وجوب الزكاة فيه إذا نوى التجارة به عند امتلاكه، وتوافرت فيه بقية شروط وجوب الزكاة.
أما النوع الثاني وهو ما يدخل في ملكه بمعاوضة مالية غير محضة، مثل بدل الخلع والمهر وبدل الصلح ونحو ذلك من الأسباب.
النوع الثالث: ما يدخل في ملكه دون معاوضة ولكن له فيه نوع فعل أو كسب مثل الغنيمة والهبة والوصية، إذ يشترط فيها قبوله. وبين الفوزان إخلاف العلماء في وجوب الزكاة في النوعين الأخيرين، ورجح وجوب الزكاة في كل مال اتخذ للتجارة وتوفرت فيه شروط وجوب الزكاة، بغض النظر عن سبب امتلاكه؛ لقوة أدلة هذا القول وكثرتها، وعدم وجود دليل مقنع للأقوال المخالفة.

#5#

ثم فصل الدكتور الفوزان في أثر النية في زكاة العقار، وبين اتفاق أهل العلم في المذاهب الأربعة على اشتراط نية التجارة بالعقار لوجوب الزكاة فيه، واستدل بما ثبت من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ''إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى''. وهذا الحديث نص في اعتبار النية في العبادات والأحكام، والزكاة من العبادات التي مدارها على النية، والتجارة عمل فوجب اقتران النية به كسائر الأعمال.
وبين أن المراد بنية التجارة في العقار أن يقصد مالك العقار من تملكه له بالشراء أو نحوه أن يبيعه ليستربح منه ويستفيد من فروق الأسعار، إذ معنى التجارة هو: تقليب المال بالبيع والشراء بقصد الاسترباح.
ونية المتاجرة بالعقار قد تكون أصلية مقارنة للعقار من حين تملكه بشراء أو غيره، وقد تكون طارئة عليه، بحيث ينوي به القنية ثم تتغير نيته فينوي به التجارة، وسيأتي بيان الحكم في هذه الحال.
ثم فرق الفوزان بين نية حفظ المال ونية التجارة وقال:'' قد يبدو لأول وهلة أن نية حفظ المال لا تختلف عن نية التجارة، ونية حفظ المال هي أن يكون لدى شخص مال ويخشى عليه من الضياع أو السرقة أو كثرة الإنفاق منه فيشتري به عقاراً لأجل حفظ هذا المال وصيانته. وفي هذه الحالة يعد العقار قنية لا تجب فيه الزكاة، واتفق العلماء على أن عروض القنية لا زكاة فيها ، وأن الزكاة لا تجب في العقار المقصود به حفظ المال.
لكن إن كان قصده من شراء العقار الفرار من الزكاة فإنه يعامل بنقيض قصده على الصحيح من قولي العلماء.
ثم فرق بين الفرق بين نية التجارة ونية البيع الفرق بين نية التجارة ونية البيع، وقال:'' كل ما أعد للتجارة تجب فيه الزكاة، وفي المقابل ليس كل ما عرض للبيع يعد عروض تجارة التي تجب فيه الزكاة، وما جاء في حديث سمرة بن جندب - رضي الله عنه: ''أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع''. فقد اتفق العلماء على أن المقصود بـ''البيع'' في الحديث هو التجارة، وليس مطلق البيع، وذلك لأنهم متفقون على أنه لا تجب الزكاة في العروض - ومنها العقار- إلا إذا كانت للتجارة.
وبناء على هذا فمن ملك عقاراً للقنية أو لغير التجارة ثم عرضه للبيع لحاجته لقيمته، أو للتخلص من مشاكله، أو لاستبداله بأفضل منه للسكنى أو التأجير أو الوقف أو نحوها، فلا تجب فيه الزكاة عند عامة أهل العلم من المذاهب الأربعة وغيرها، إلا إذا باعه فعلاً وصارت عنده قيمته وهي تبلغ نصاباً بنفسها أو بضمها لما عنده من الأموال الزكوية الأخرى، وحال عليها الحول فتجب فيها الزكاة باعتبارها نقداً لا باعتبارها عرض تجارة.
كما بين أن العلماء لا يكادون يختلفون في اشتراط الجزم بنية التجارة وعدم التردد فيها، ليكون العقار عروض تجارة تجب فيه الزكاة، لأن نية التجارة شرط لوجوب الزكاة في العقار، ومن شروط صحة النية أن تكون جازمة غير مترددة.
وقال:'' قد يشتري الإنسان عقاراً وليس له فيه نية محددة، أو يكون متردداً في نيته بين المتاجرة به، أو البناء عليه، أو رصده لأولاده، أو استثماره في تأجير، أو وقفه، أو الوصية به، أو غير ذلك، أو قد يتردد في النية بين المتاجرة به أو اقتنائه لغرض آخر غير التجارة، وفي هذه الحالة فلا تجب فيه الزكاة، لأنه لم يجزم نية المتاجرة.
أما إذا اشترى أرضاً للقنية وينوي في نفسه إن وجد ربحاً مناسباً باعها، فرجح الدكتور الفوزان أنه لا زكاة عليه، وذلك لأن نية التجارة بالعقار غير متمحضة، فتترجح نية الاقتناء، لأنه الأصل في العروض القنية، ولأن نيته مشتركة، فلا تجب عليه الزكاة كما لا تجب مع التردد في النية وعدم الجزم بها.
أما في حالة الجمع بين نية التجارة والاستغلال، كأن يشتري أرضاً ويقول إذا وجدت سعرا مناسبا بعتها أو بنيت عليها عمارة أو دكاكين للإيجار، و مثل ذلك مشاريع لا تزال تحت الإنشاء، وصاحبها متردد بين المتاجرة بها أو تأجيرها، فهل تجب فيها زكاة عروض التجارة أو تجب الزكاة في أجرتها كسائر المستغلات؟
وهذه المسألة تختلف عن مسألة الجمع بين نية التجارة والقنية، لأن القنية لا يقصد بها الربح، أما في هذه الحالة فمالك العقار يقصد الربح إما بالتجارة أو بالاستغلال.
ورجح عدم وجوب الزكاة فيها باعتبارها عروض تجارة، لأن الأصل في العقار أنه مال قنية، ولا زكاة فيه إلا بنية التجارة، والنية لا بد أن تكون جازمة غير مترددة، وهي في هذه الحال مشتركة مترددة بين التجارة والاستغلال، فلا تجب فيها الزكاة حتى يتبين أحد الأمرين.
واستثنى ما لو اشتراها بنية المتاجرة بها وبيعها بعد تطويرها، ولكنه إن لم يبعها قبل انتهاء بنائها وتطويرها فإنه سيؤجرها حال اكتمال بنائها ثم يبيعها وهي مؤجرة ليزيد ثمنها، فهذا التأجير جاء تبعاً ولا يعارض قصد المتاجرة بها أو يزاحمه، كما أنه مما يزيد قيمتها عند البيع غالباً، ولو كان ينقص قيمتها لم يؤجرها، لأن قصده المتاجرة بها، وليس تأجيرها، فتجب عليه زكاتها كل حول بحسب قيمتها وقت تمام الحول.
وفي حال تغيير نية التجارة إلى نية القنية والاستخدام كأن يشتري شخص عقارا بنية التجارة ثم غير نيته ونوى به القنية، فالراجح قول جمهور العلماء في سقوط الزكاة عن العقار بتغيير نية التجارة إلى نية الاقتناء.
أما إذا غير نية القنية إلى التجارة، كأن يشتري شخص عقاراً للقنية، أو آلت ملكيته إليه بغير معاوضة كالإرث، ثم نوى به التجارة فإن العقار يصير للتجارة بنية التجارة، ولو كان أصله للقنية، وتجب فيه الزكاة من وقت نية المتاجرة به.
ثم تطرق الفوزان إلى مسألة اكتفاء مجرد النية المتاجرة أو لا بد من العمل، وقسم العقار إذا نوى به صاحبه التجارة بالنسبة لاشتراط اقتران العمل بهذه النية إلى قسمين، الأول: العقار الذي امتلكه صاحبه بمعاوضة مالية محضة وبهدف الاتجار به، فهذا القسم اتفق أهل العلم القائلون بوجوب الزكاة في عروض التجارة على عدم اشتراط عمل آخر لوجوب الزكاة فيه، وأن امتلاكه للعقار بتلك الصفة هو العمل التجاري نفسه، فتجب فيه الزكاة سواء بيع العقار بعد ذلك أم لم يبع، أما القسم الثاني، وهو العقار الذي آلت ملكيته إلى صاحبه بغير معاوضة مالية، أو بمعاوضة مالية غير محضة، أو بمعاوضة مالية محضة، ولكن لم يشتره مالكه بنية التجارة بل بنية القنية أو بناء المسكن أو أي نية أخرى غير التجارة، ثم نوى به صاحبه التجارة، فهل تجب فيه الزكاة بمجرد تلك النية أم لا بد من اقتران العمل بهذه النية لوجوب الزكاة فيه، والراجح من أقوال أهل العلم عدم اشتراط اقتران العمل بالنية في هذه الحالة، بل تجب الزكاة بمجرد نية المتاجرة وبغض النظر عن السبب الذي آلت ملكية العقار به إلى صاحبه.
ثم تحدث الدكتور الفوزان عن كيفية وجوب الزكاة في العقار، وقال قسم المالكية عروض التجارة - و منها العقار- إلى عروض إدارة ويقصدون بها ما يدار ويتداول من البضائع بالبيع والشراء،كأصحاب الحوانيت الذين يبيعون البضائع ويشترون بدلها لبيعها، أما القسم الثاني فهو عروض احتكار، ويقصدون بها العروض التي يشتريها صاحبها للتجارة بها ويترصد بها الأسواق، فإذا ارتفع سعرها باعها بغية كسب الأرباح، وأما بالنسبة للقسم الأول فقد اتفق المالكية مع الجمهور على وجوب الزكاة فيه إذا حال عليه الحول وتوافرت فيه بقية الشروط. و أما القسم الثاني فقد خالف المالكية الجمهور في كيفية وجوب الزكاة فيه، فقالوا لا تجب فيه الزكاة ما لم يبع ولو بقي العقار في ملكه سنوات يترصد به الأسواق، فإذا باع وجبت فيه زكاة حول واحد إذا كان قد مضى عليه الحول وصلة المسألة بموضوع البحث أن قول المالكية هنا يوافق قول من يقول باشتراط اقتران العمل بالنية إذا نوى بعروض القنية التجارة، فإذا لم يقترن العمل بالنية وبقي العقار سنوات في ملك صاحبه لم تجب فيه الزكاة ، وإذا باعه وجبت زكاة حول واحد.
ومن جهة أخرى فبناء على قول المالكية قد يبقى العقار سنوات طويلة ولا تجب فيه الزكاة وإن نوى صاحبه به التجارة.
استدل الجمهور لقولهم بوجوب الزكاة في العقار في كل حول إذا توافرت فيه بقية الشروط بالأدلة العامة لوجوب الزكاة في عروض التجارة، وقالوا لا يوجد دليل يخرج عروض الاحتكار - كما اصطلح عليه المالكية- من وجوب الزكاة. قال ابن عبد البر: ''وقد قال جماعة من أهل المدينة وغيرهم إن المدير وغيره سواء يقوم في كل عام ويزكى إذا كان تاجرا وما بار وما لم يبر من سلعته إذا نوى به التجارة بعد أن يشتريها للتجارة سواء وهو قول صحيح إلى ما فيه من الاحتياط لأن العين من الذهب والورق لا نماء لها إلا بطلب التجارة فيها فإذا وضعت العين في العروض للتجارة حكم لها بحكم العين فتزكى في كل حول كما تزكى العين وكل من انتظر بسلعته التي ابتاعها للتجارة وجود الربح متى جاءه فهو مدير وحكمه عند جمهور العلماء حكم المدير''.
وأما المالكية فقد استدلوا لقولهم بعدم وجوب الزكاة في عروض الاحتكار بأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، وما يترصد به الأسواق ولم يتم بيعه لا نماء فيه، فلا تجب فيه الزكاة حتى يبيعه.
وتناول محمد بن هائل المدحجي الباحث في مجال الفقه والقضاء في ورقته التي ألقاها بعنوان (متى يكون العقار عرض تجارة؟) عددا من المحاور المهمة في هذا الجانب، حيث أورد أدلة وجوب الزكاة على عروض التجارة، وبين أن العروض التي ليست للتجارة ليس فيها زكاة باتفاق أهل العلم. ثم تحدث المدحجي عن نية التجارة التي تؤثر في إيجاب الزكاة وهل لا بد أن تكون نية خالصة للتجارة أم أنها تؤثر ولو كانت مشوبة بنية أخرى وذلك كأن ينوي القنية فإن وجد ربحاً باع، ورجح أن نية التجارة التي تؤثر في إيجاب الزكاة لا بد أن تكون نية خالصة للتجارة.
وتطرق إلى نية حفظ المال وما تعنيه وذلك لأن البعض يشتري عقاراً مثلاً، ثم يأتي فيسأل عن وجوب الزكاة فيه أو لا ، وعند سؤاله عن نيته يذكر أن نيته حفظ المال ، فهل نية حفظ المال هذه هي نية التجارة أم غيرها؟
وبين أن نية حفظ المال المذكورة لا يمكن بناء حكم عليها دون استفصال ، فهذا الذي ذكر أن نيته حفظ المال لا يخرج عن أحد أمور أربعة، وهي أن تكون نيته أن يحفظ ماله بشراء شيء يقتنيه هو أو عياله من بعده : كأن يكون غرضه شراء الأرض ليبني فيها في المستقبل بيتاً له ولعياله متى ما تيسر له ذلك ، فهنا لا زكاة عليه اتفاقاً، والثاني أن تكون نيته أن يحفظ ماله بشراء شيء يبيعه في المستقبل إذا ارتفع ثمنه ، فهذا قد نوى التجارة حقيقة، وتجب عليه الزكاة اتفاقاً، والثالث أن تكون نيته أن يحفظ ماله بشراء شيء قد يبيعه في المستقبل إذا ارتفع ثمنه، وقد ينتفع به ، وقد يؤجره : فهنا يأتي الخلاف المتقدم بين المالكية والجمهور في نية التجارة المشوبة بغيرها ، والراجح ألا زكاة في هذه الحالة، والرابع أن تكون نيته أن يحفظ ماله بشراء شيء لم يحدد غرضه من شرائه ، فهو لم ينو التجارة ، ولا الغلة ، ولا القنية ، بل لم ينو شيئاً ، فهذا لا زكاة عليه ؛ وذلك لأن شرط وجوب الزكاة أن ينوي التجارة ، وهو هنا لم ينو التجارة ، فلا زكاة.

الأكثر قراءة