رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل تختار الشركات الغرامة أم الإفصاح؟

أعلنت هيئة السوق المالية خمسة إعلانات عن فرض غرامات مالية مقدارها 50 ألف ريال، وغرامة مقدارها 100 ألف ريال، جميعها ذات علاقة بإخلال الشركات بالإفصاح عن أحداث ذات تأثير مهم. وهذه ليست المرة الأولى التي تعلن الهيئة هذه الغرامات، ولن تكون الأخيرة بأي حال. وهنا يثار سؤال: هل الشركات على علم بهذه العقوبات، ومع ذلك تقوم بالمخالفات أم أنها لم تكن تعلم بها وتقع فيها بسبب قلة الوعي وعدم قيام الهيئة بالتوعية اللازمة للشركات. الحقيقة أنه من الصعب قبول فكرة الجهل بهذه العقوبات، وأعتقد أن إدارة هذه الشركات تعي مثل هذه المخالفات وعقوباتها قبل أن تقترفها، فإذا كانت هذه هي الحال فلماذا لم تلتزم الشركات؟ ولماذا تصر على اقتراف المخالفات مع علمها بجدية الهيئة وأنها ستوقع العقوبة؟ لا توجد لدي إجابة قاطعة مستندة إلى مصدر علمي موثوق لكن في اعتقادي أن المسألة تعود إلى مشكلة الإفصاح الأزلية، إنها تكلفة الإفصاح.
الإفصاح والشفافية لعبة توازن, وعلى إدارة الشركة المحترفة أن تلعبها بإتقان. الإفصاح ليس محصورا في القوائم المالية أو حتى التقرير المالي الذي تنشره الشركة. الإفصاح تدفق مبرمج من المعلومات ترسلها إدارة الشركة إلى الآخرين. وعندما أقول الآخرين فإني أرسم قائمة طويلة تشمل جميع أنواع المستثمرين (المساهمين والمقرضين) الحاليين منهم والمرتقبين، الموظفين، الجهات الحكومية، المنافسين، المحللين، الموردين، المستهلكين، العملاء ... إلخ. قائمة طويلة تسأل عن معلومات الشركة وتستفسر كلا فيما يخصه ويعنيه. هذا التنوع الهائل في قائمة من يحتاج إلى معلومات عن الشركة (نسميهم في المحاسبة المستخدمين) يجعل من الصعب بل من المستحيل أن تلبي احتياجاتهم في أربع قوائم مالية وملاحظاتها المرفقة أو حتى تقرير مالي أكثر شمولا. من أجل ذلك تعد القوائم المالية بطريقة قد تلبي معظم الاحتياجات المشتركة لذلك نسميها القوائم المالية ذات الغرض العام. وهي تتعرض لتحسينات مستمرة من قبل الجهات المعنية بتطوير التقارير المالية، ومنها هيئات المحاسبة. على أن البنوك و المؤسسات الحكومية قد تطلب تقارير خاصة عن معلومات معنية تعدها الشركات لهذا الغرض فقط ولا تقوم بنشرها بشكل عام. فوق كل هذا تأتي هيئات الأسواق المالية لتطلب من الشركات الإفصاح عن المعلومات ذات التأثير الجوهري في قرارات المستثمرين حتى لو لم تكن معلومات مالية مثل تغيير في أعضاء مجلس الإدارة توقيع اتفاقية معنية، مفوضات جارية وغيرها كثير. والتأثير الجوهري كلمة غير مستقرة، وتعد المعلومة أو البند ذا تأثير جوهري إذا كان من كان المحتمل أن يؤدي عدم الإفصاح عنه، أو سوء عرضه أو حذفه إلى تشويه أو نقص المعلومات بدرجة تؤدي إلى تضليل القارئ عند اتخاذ قرار يعتمد على تلك المعلومات. في هذا الإطار العام، فإن توقيت نشر تلك المعلومات جزء لا يتجزأ من مشروع الإفصاح والشفافية، فالتوقيت عامل مهم جدا بل حاسم في عملية اتخاذ القرار، وخاصة في الأسواق المالية التي تتم المقاصة فيها بطريقة لحظية (t0) كالسوق المالية السعودية.
ولأن هذه المعلومات ذات أثر مهم في قرارات المستخدمين لها فإنها بلا شك معلومات ذات قيمة، فإعدادها ونشرها في التوقيت المطلوب أمر مكلف. وإذا أضفت أن لتلك المعلومات أثر مهم في وضع الشركة التنافسي، فإن قيمتها ترتفع إلى حد قد لا تستطيع الشركة تحمله أو أن مخاطر نشر هذه المعلومات لا يمكن تحديدها أو تحملها. ومقارنة بعقوبة عدم النشر أو الإفصاح فإن العقوبة معلومة ومخاطرها يمكن قياسها بدقة وفي أحيان كثيرة يمكن تحملها. في مثل هذه الظروف قد تتخذ الشركة قرارها بعدم الإفصاح أو تأخير نشر المعلومات وتحمل العقوبات المادية.
وقد تعذر إدارة الشركات في بعض هذه القرارات إذا كانت تصب في مصلحة المساهمين, لأن إدارة الشركة تعد وكيلا عنهم معينة من قبلهم للمحافظة على مصالح الشركة. لكن في ظل انتشار ظاهرة التلاعب بالقوائم المالية، خاصة في زمن الأزمات المالية التي تعصف هنا وهناك وتهز كيانات مالية ضخمة بل دولا، فإن الثقة بإدارات الشركات وعملها كوكيل عن الملاك أصبح أمرا محل شك. فقد أصبحت هذه الإدارات تتخذ القرارات من دوافع المصالح ومنافع شخصية بحتة أو بغرض التأثير في سعر سهم الشركة دون النظر إلى المستثمرين وحال الشركة واقتصادياتها. في هذه البيئة يمكن أن تقبل إدارة الشركة بعقوبات عدم الإفصاح، فهي عقوبات لن تؤثر في تصويت الجمعية العامة أو التجديد للمجالس القائمة فهي عقوبات يمكن تحملها ولن تؤثر في مستقبل الإدارة بشيء، بينما العوائد والمكاسب الشخصية من هذه المخالفة كبيرة لذلك تقوم الشركة عمدا بالمخالفة وتتحمل دفع الغرامات.
ومع الاعتراف بوجود رصيد عملي ضخم عن الإفصاح في الشركات والدراسات الكثيرة حول تأثير المحتوى المعلوماتي لرقم صافي الربح في قرارات المستثمرين وأسعار الأسهم، إلا إنني أكرر أن هذه الملاحظات غير نابعة من دراسة علمية مستقلة، بل هي مجرد تأملات ذهنية وفرضيات عامة تحتاج إلى سند علمي إما لتأكيدها أو دحضها. لذلك أقترح على هيئة السوق المالية تمويل دراسة بهذا الشأن لتتبع الأسباب الحقيقية لتنامي ظاهرة تحمل الشركات عقوبات الإفصاح ومعرفة الدوافع التي تقف خلف هذه الظاهرة وأثرها في استقرار السوق المالية للشركات، وخاصة مع دخول الشركات العائلية إلى عالم سوق المال.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي