رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


علاقة التفسير بأهمية النص أو قدسيته!

تختلف النصوص في أهميتها أو قدسيتها لدى متلقيها، وتزداد أو تقل أهمية أو قدسية النص باختلاف الزمان والمكان وتموضع المتلقي - بالتموضع أعني وجهة نظر الشخص من المواقف الحياتية، سياسية كانت أو اقتصادية أو فكرية أو اجتماعية.
وكدأبنا دائما، لنذهب معا إلى التاريخ. ما حدث سابقا وما يحدث اليوم وما يمكن أن يحدث غدا، يؤثر في حياتنا سلبا أو إيجابا. والتاريخ اليوم ليس سردا لأحداث الماضي دون تمحيص وربط بالزمان والمكان. لا نستطيع فهم أو دراسة الحدث أو النص التاريخي خارج نطاق بيئته، لكن هذا لا يعني أن النص أو الحدث التاريخي لا علاقة له بزماننا ومكاننا وتموضعنا. على العكس، كثيرا ما نشعر بأننا أقرب إلى نص كُتب أو حدث وقع في الأزمنة الغابرة من قربنا إلى نص كُتب أو حدث وقع بين ظهرانينا.
والسلطة، دينية كانت أو دنيوية، تستمد قوتها ومكانتها في المجتمع من خلال النص، تتشبث به حرفيا إن رأت ذلك يصب في مصلحتها، وتسبغ عليه تفاسير قد تبعده عن حرفيته كثيرا إن رأت أن ذلك يقوي مكانتها ويزيد من هيبتها ويثبت أقدامها وديمومتها. وأهمية النص أو قدسيته ليست ثابتة. ورد فعلنا على قراءة أو تفسير النص يعتمد على علاقته بحياتنا.
من منا يكترث لو كتب أستاذ جامعي مقالا فيه نظرة جديدة تماما لمعلقة امرئ القيس؟ ومن منا يكترث أو اكترث عندما نسب الدكتور صفاء الخلوصي، أستاذ الأدب المقارن في جامعة أوكسفورد، «شيكسبير» إلى أصول عربية وقال إن اسمه الحقيقي «شيخ زبير»، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، إننا ما زلنا نتذوق شعر امرئ القيس وكُتب شيكسبير، لا نكترث لتفاسيرها، لأننا لن نبني حياتنا من حيث الزمان والمكان والتموضع عليها.
إننا نتحرك ونردّ ونغضب ونفرح ونعقد الصلح ونعلن الحرب وننتهك الحرمات، وقد نقوم بما لم ينزل الله به من سلطان عندما يمس نص آخر (تفسير جديد) نصا له علاقة مباشرة بحياتنا وسلوكنا أو وجودنا. والنصوص الدينية تقع في هذه الخانة، ولهذا ترى الناس، من ضمنهم العلماء والمختصون، يتجنبون الولوج في مضمار التحدي للتفسير الرائج للنص الديني. الخروج عما هو شائع بين الناس، وما تأخذ به الناس لا سيما ما شبّت عليه الأجيال من مواقف، لا يحتاج إلى الجرأة فقط، بل إلى علم غزير ومنطق وإقناع. وكثيرا ما يحدث أن العلم والمنطق يعجزان عن الوقوف أمام التيار الفكري أو التفسيري السائد رغم عدم مواءمته الزمان والمكان.
تأمّل البدعة الإسرائيلية الجديدة المستندة إلى التوراة - والتوراة كتاب مقدس لدى المسيحيين أيضا ويطلقون عليه «العهد القديم» وقدسية العهد القديم لديهم بمثابة «العهد الجديد» وهو إنجيل عيسى بن مريم، نبي المسيحية - كي تثبت إسرائيل أن القدس مدينة يهودية، قام الكتّاب المؤيدون لها من اليهود وغيرهم في الولايات المتحدة باحتساب عدد المرات التي وردت كلمة «أورشليم» أي القدس في العهد القديم. وهذه ليست مسألة صعبة، بإمكان الحاسوب أن يقوم بذلك بثوان، بيت القصيد أنهم اكتشفوا - ويا له من اكتشاف خبيث - أن كلمة «أورشليم» يرد ذكرها في العهد القديم 850 مرة، وسرعان ما أخذ الكتّاب المناصرون لإسرائيل هذا الاكتشاف دليلا على أحقية إسرائيل بالمدينة المقدسة، وظهرت مقالات بأسماء كبار الكتّاب والعلماء منهم أصحاب جائزة نوبل، ترقص على أنغام هذا الاكتشاف وتبنته صحف مرموقة، منها «وول ستريت جورنال» على سبيل المثال، وطبّل له رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، وذكره عدة مرات.
انظر كيف تغاضوا عن السلبيات المقيتة وغير الإنسانية التي لا يقبل بها أي شرع ديني أو دنيوي والتي ترد في التوراة مئات لا بل آلاف المرات. هناك أمور في العهد القديم تشمئز منها الأنفس، منها ما يرد - أستغفر الله - على لسان الله ذاته من أوامر صريحة بقتل وإبادة الأطفال والرضع وبقر بطون الحوامل وغيرها من النصوص والأعمال الشنيعة التي تنسب حتى إلى الأنبياء. السلطة تتلاعب بالنص، دينيا كان أو دنيويا، من خلال التركيز على ما تراه مناسبا لزمانها ومكانها، وغض النظر عن الأمور التي ترى أنها تعاكس مكانتها. لن نكون منصفين لو قلنا إن الأمر مرتبط بالتفسير التوراتي فقط. وسنأتي على ذلك في الجمعة القادمة ... وحتى ذلك الحين أستودعكم الله.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي