رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تداعيات كارثة خليج المكسيك على مستقبل التنقيب في المياه العميقة

بعد الكارثة التي حدثت أخيرا في إحدى آبار النفط في المياه العميقة في خليج المكسيك في الولايات المتحدة برزت التساؤلات التالية: كيف ستتأثر صناعة النفط والغاز العالمية في أعقاب وقوع كوارث مثل تسرب النفط أخيرا في خليج المكسيك؟ وإلى متى ستنتظر الشركات قبل أن تستأنف عمليات الاستكشاف والتنقيب في خليج المكسيك بصورة خاصة والمياه العميقة بصورة عامة، وماذا سيكون الثمن؟
الكارثة التي حدثت أخيرا في إحدى آبار النفط في المياه العميقة التابعة لشركة بريتيش بتروليوم في خليج المكسيك في الولايات المتحدة، أدت إلى انتشار بقعة الزيت لمساحات شاسعة وصلت إلى سواحل بعض الولايات الأمريكية مهددة بكارثة بيئية خطيرة. إن تداعيات هذه الكارثة على عمليات الاستكشاف والتنقيب في خليج المكسيك من المتوقع أن تكون كبيرة، ما قد يؤدي إلى كبح إنتاج النفط الخام والغاز والشحن والاستيراد من المنطقة، حتى لو لم يكن قد حدث ذلك بعد. حيث إن حرائق بئر النفط المرقمة MC252 في 20 نيسان (أبريل) في خليج المكسيك وتداعياتها خلقت تحديا جديدا من عدم اليقين بشأن مستقبل صناعة النفط والغاز في المياه العميقة. تداعيات هذا الحادث ستؤثر في عدة أمور في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى من العالم، من هذه الأمور سيكون هناك مزيد من التدقيق والمراقبة على عمليات الشركات في مجال فتح مساحات جديدة للتنقيب في المناطق البحرية، أيضا ستؤثر في تكاليف الشركات لإيجاد وتطوير حقول جديدة من النفط والغاز في هذه المناطق، ذلك لأن تكاليف السلامة والتأمين من المتوقع أن ترتفع.
كما أن الانفجار ألقى الشك أيضا حول الخطة التي اقترحها الرئيس أوباما أخيرا لفتح مساحات واسعة من المياه الساحلية الأمريكية لعمليات الاستكشاف والتنقيب, التي كانت محظورة في السابق على نشاط الاستكشاف والحفر. بالفعل أدى الحادث إلى وقف مؤقت لتراخيص التنقيب الجديدة وتعليق جلسات استماع بشأن تطوير الحقول البحرية في ولاية فرجينيا، إلى أن تقدم التحقيقات الأولية في الحادث في نهاية أيار (مايو) الحالي. من الجانب الآخر، النقاش حول أسباب الحادث واحتمال تشديد متطلبات السلامة ربما ينجح في تأجيل إقرار مشروع قانون أوسع نطاقا للطاقة بخصوص إفساح المجال للتنقيب في المناطق البحرية الأخرى.
في هذه المرحلة من المبكر جدا إعطاء أحكام نهائية على الحادث نفسه، التركيز الفوري الآن على وقف التسرب وتخفيف الأثر البيئي للكارثة. لكن من المتوقع أن النقاش والتحقيق في دوائر صنع القرار سيزدادان في الأسابيع القليلة المقبلة. حيث إن النقاشات ستتركز وتتمحور حول التكهنات والوقائع عندما تصبح متوافرة، على الأسباب التي أدت إلى انفجار البئر، فضلا على متى يتم التحكم في التسرب النفطي وكيفية تخليص السواحل من البقع النفطية.
حاليا، فقط كميات صغيرة من إنتاج الغاز تم إغلاقها في المنطقة المنكوبة، وتم إجلاء بعض الحفارات القريبة لأسباب تتعلق بالسلامة. كما أن أثر الحادث في السوق النفط الفورية حتى الآن كان محدودا جدا، حيث إن الانفجار وقع في بئر استكشافية وليس في بئر إنتاجية، لذلك ليس هناك تأثير فوري في إمدادات النفط العالمية. بل إن أسعار النفط اتجهت إلى دون مستوياتها العالية التي شهدتها في مطلع نيسان (أبريل)، قبل وقوع الحادث. مع ذلك، يمكن أن يؤثر الحادث في سيكولوجية السوق على المدى البعيد، عن طريق تركيز الاهتمام على المخاطر المحتملة للنمو المستقبلي في العرض وتكاليف الإنتاج المرتفعة. في غضون ذلك سوق النفط حاليا تتفاعل مع المخاوف الاقتصادية ذات الصلة بأزمة الديون السيادية في اليونان والمخاوف من امتدادها إلى أعضاء آخرين في منطقة اليورو, فضلا عن وجود بعض القلق من أن وتيرة النمو الاقتصادي في الصين يمكن أن تتباطأ قليلا.
هناك عدد من الآثار المحتملة في صناعة النفط والغاز وفي مستقبل عمليات الاستكشاف والتنقيب في المياه العميقة في خليج المكسيك وفي مناطق أخرى من العالم نتيجة للانفجار الذي وقع في منصة الحفر.
الشركات النفطية التي تدير العمليات الإنتاجية وشركات الخدمات النفطية سوف لا تنتظر صدور لوائح وتشريعات جديدة لتقوم بإدخال واعتماد تغييرات على الإجراءات التنفيذية الخاصة بها، بل ستقوم الشركات التي تنشط في عمليات الاستكشاف والتنقيب في المياه العميقة بالتحرك في أقرب وقت لاعتماد إجراءات وسياقات عمل جديدة بمجرد توافر المعلومات الموثوقة عن أسباب الحادث لديها. إضافة إلى ذلك من المتوقع أن تحدث تغييرات في العلاقة بين شركات الخدمات النفطية والشركات المشغلة للحقول بخصوص إجراءات ومسؤوليات السلامة.
أما في الجانب الحكومي، بدءا من التقرير الذي سيصدر من وزارة الداخلية في 28 أيار (مايو) الحالي، سيكون هناك تركيز واضح وقوي على إعادة النظر في الممارسات التشغيلية بهدف تشديدها، وتحديد معايير سلامة وإجراءات جديدة أكثر صرامة.
كما أن التخطيط المستقبلي لتوقع أسوأ السيناريوهات والاحتمالات في مثل هذه الحالات، وزيادة مستويات التأهب من المتوقع أن يكتسب تركيزا من نوع جديد وأولوية. هذه الإجراءات يمكن أن تؤدي إلى حدوث ضغوط تصاعدية على تكاليف الاستكشاف والتطوير والإنتاج، خاصة في المياه العميقة. التأمين على العمليات هو أحد الأمثلة من مفردات التكاليف التي ستتأثر. زيادة الإجراءات لتجنب المخاطر التشغيلية قد تسهم هي الأخرى في زيادة المدة اللازمة لإنجاز المشروع وفي رفع التكاليف الإجمالية أيضا، ورفع الحد الأدنى للاستثمار لشركات الاستكشاف والإنتاج.
التأخير في إنجاز المشاريع، عدم اليقين، التحديات، والتكاليف الإضافية يمكن أن تعمل جميعها على تحويل الاستثمارات إلى الحقول البرية. كما أن تأخر تصاريح الحفر البحرية الجديدة في الولايات المتحدة مدة طويلة، يمكن أن يبطئ وتيرة التوسع في إمدادات الحقول البحرية, خصوصا من المياه العميقة.
من الجوانب المهمة الأخرى التي لم تتطرق لها وسائل الإعلام من خلال تغطيتها أخبار الكارثة, هي الأهمية المتزايدة لإنتاج النفط العالمي من الحقول البحرية, خصوصا من المياه العميقة. حيث كان حجم الاحتياطيات النفطية الجديدة القادمة من حقول المياه العميقة في اتجاه تصاعدي منذ تسعينيات القرن الماضي، وباتت ذات أهمية خاصة في السنوات الأخيرة، من عام 2006 إلى عام 2009. الاكتشافات السنوية في المياه العميقة في العالم (600 قدم أو أكثر) كانت تمثل ما بين 40 و50 في المائة من جميع الاكتشافات، البرية والبحرية. والكميات المكتشفة كانت كبيرة، في عام 2008 الاكتشافات من المياه العميقة أضافت نحو 14 مليار برميل من النفط المكافئ إلى الاحتياطيات العالمية. كذلك شهد العقد الماضي نموا كبيرا في إنتاج النفط والغاز مما يسمى المياه العميقة، على سبيل المثال، الإنتاج العالمي من النفط من حقول في المياه من عمق ألفي قدم أو أكثر ارتفع من نحو 1.5 مليون برميل يوميا عام 2000، إلى نحو خمسة ملايين برميل يوميا عام 2009. وتم أيضا إحراز نسبة عالية من الاكتشافات الجديدة في المياه العميقة, حيث إن مجموع كميات النفط والغاز المكتشفة في المياه العميقة في العالم في عام 2008 تجاوز حجم الاستكشافات النفطية والغازية على الساحل وفي المياه الضحلة مجتمعة. بالفعل الإنتاج من الحقول البحرية, خاصة تلك التي في المياه العميقة، برز كواحد من أهم ركائز نمو إمدادات النفط العالمية. هذا الاتجاه في النمو ما زال متوقعا، لكن تداعيات الحادث الأخير في خليج المكسيك يمكن أن تبطئ عملية التطوير لبعض الحقول.

تنويه: المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي