تحسين بيئة العمل

معضلة البطالة من المعضلات المعقدة التي تمثل تحديات قوية لساسة ودول العالم، وارتفاع مستويات البطالة يؤثر في مستويات الأجور في الاقتصاد ككل، ويضع مزيدا من الضغوط عليها مما يؤثر في باقي العاملين في الاقتصاد. ووجود عجز في العمالة أو انخفاض معدلات البطالة بشدة يضع ضغوطا لرفع الأجور. وهناك إمكانية كبيرة بأن فتح دول الخليج لأبواب الاستقدام من الخارج قد حد بل منع ارتفاع الأجور في السنوات السابقة، وسيعمل مستقبلاً على الضغط عليها. ومن الواضح أن المرونة في استقدام العمالة لم تؤثر فقط في العاطلين عن العمل, بل أثرت في باقي القوة العاملة في الاقتصاد وخفضت من دخولها.
ونجح النمو القوي في الناتج المحلي الإجمالي في توظيف أعداد متزايدة من المواطنين ولكن في الوقت نفسه تفاقمت معضلة البطالة خلال السنوات العشر الماضية، مما يشير إلى أن جزءا كبيراً من البطالة معضلة بنائية وليست ناتجة عن انخفاض الناتج المحلي. وارتفعت قوة العمل الوطنية خلال الفترة بنحو مليون ونصف مليون شخص أو بأكثر من 50 في المائة من حجم العمالة في بداية فترة السنوات العشر، وهو ما يعني أن جزءا من الطلب على الوظائف جاء نتيجةً لارتفاع مشاركة السكان، وليس مقصوراً فقط على النمو السكاني، حيث ارتفعت نسبة النساء الباحثات عن عمل من إجمالي عدد النساء, مما رفع نسبة مشاركة السكان السعوديين في سوق العمل. وارتفعت في الوقت نفسه مستويات البطالة الوطنية بنحو 170 ألف شخص، أي أن الاقتصاد الوطني نجح في زيادة عدد الوظائف التي يشغلها مواطنون بأكثر من 1.2 مليون وظيفة خلال السنوات العشر المنتهية في عام 2009م. ومع النجاح الكبير في توليد الأعمال إلا أن هناك قصوراً واضحاً في خفض مستويات البطالة، ويعود هذا القصور إلى مسببات بنائية لعل من أبرزها انخفاض معدلات أجور القطاع الخاص ومحدودية مجالات عمل المرأة. وتشير البيانات إلى أن عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل من المواطنين يتجاوز 150 ألف شخص في السنة في الوقت الحالي, وسيرتفع عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل مع مرور الوقت. ومع ارتفاع عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل، خصوصاً النساء فإن معدلات البطالة ستتجه للارتفاع فوق معدلات البطالة الحالية المرتفعة التي تجاوزت أكثر من 10 في المائة. ومع أن الحكومة هي الموظف الرئيس للسعوديين، إلا أنها لا تستطيع مهما توسعت في التوظيف استيعاب جميع القادمين الجدد إلى سوق العمل، لهذا لا مناص من استهداف القطاع الخاص بالإصلاحات الضرورية لاستقطاب أفواج القادمين الجدد إلى سوق العمل. ولا تعد حتى نسبة البطالة الحالية منخفضة بل إنها تدق ناقوس خطر على السلام الاجتماعي. ومع معدلات البطالة المرتفعة، ترتفع الحاجة إلى إعادة النظر في سياسات العمل والتوظيف المتبعة حالياً والقيام بإجراء إصلاحات شاملة لسوق العمل للحد من إمكانية ارتفاع معدلات البطالة وتعزيز إجراءات وسياسات رفع مستويات الإنتاجية الداعمة لرفع الأجور وتبني الأنظمة المحسنة لبيئة العمل.وقد تم التطرق خلال المقالات السابقة لبعض السياسات المتبعة في معظم دول العالم، والتي أثبتت جدواها في التصدي لبعض الآثار السلبية للبطالة والفقر، حيث تم التطرق إلى موضوعي الحد الأدنى للأجور ومخصصات البطالة. ومع أهمية هذين الموضوعين إلا أنهما مجرد جزءين من سياسات شاملة ينبغي النظر في تطبيقها لرفع درجة تنظيم سوق العمل. حيث ينبغي مثلاً بذل مزيد من الجهود لخفض متوسط ساعات عمل الفرد المرتفعة في الاقتصاد التي تتجاوز في الوقت الحالي 50 ساعة في الأسبوع في كثير من القطاعات الخاصة، كما تشير إليها بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات. وتحد ساعات العمل الطويلة من توظيف العمالة الوطنية، كما تقلل من عدد العاملين في المؤسسات الإنتاجية. وينبغي أيضاً البحث في تنظيم دخول العمالة إلى مجالات الحرف والعمل المختلفة. ويمكن تنظيم عمليات الانتساب إلى الحرف من خلال جمعيات أهلية معترف بها، وذلك للحد من الفوضى العارمة في أسواق العمل والمهن, حيث بإمكان أي شخص في الوقت الحالي الادعاء بأنه مقاول أو نجار أو سباك أو كهربائي أو حتى مهندس حاسب آلي دون الحصول على أي ترخيص أو اختبار أو إثبات قدرته على ذلك.
وينبغي أيضاً العمل على الحد من التجاوزات الكثيرة التي يقوم بها مشغلو العمالة في القطاع الخاص والتي قد تصل إلى الامتناع عن دفع استحقاقات العمالة من أجور ومنافع. فمن المألوف ومع الأسف تأخر أصحاب الأعمال في دفع الأجور لموظفيهم، وقد تصل فترة التأخر لعدة أشهر دون الخوف من التعرض للعقوبات الجزائية الرادعة لمثل هذه التصرفات. وتشتكي العمالة أيضاً من تجاوزات أخرى والتي منها العمل لساعات أطول من اللازم أو إلغاء العلاوات والإجازات الأسبوعية أو حتى السنوية أو عدم دفع بعض المستحقات المالية وعدم توفير سكن ومواصلات مناسبة. إن عدم امتلاك العمالة لقوة تفاوض قوية يمثل عائقاً قوياً تواجهه العمالة أمام أصحاب الأعمال، ولهذا تتحمل وزارة العمل مسؤولية أخلاقية بإجبار أصحاب الأعمال بالوفاء باستحقاقات العمالة. ومن المأمول أن يؤدي تبني مثل هذه الاقتراحات إلى تحسين بيئة العمل في القطاع الخاص، وذلك لجذب مزيد من العمالة الوطنية للعمل في هذا القطاع. وتتجنب أعداد كبيرة من العمالة الوطنية العمل في القطاع الخاص بسبب تردي بيئة العمل وانخفاض درجات الأمان الوظيفي وتدني الأجور.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي