رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


صناعة الرجل!

تعلمنا ونحن في الصغر أن من أراد أن يتعلم السباحة فعليه أن ينزل إلى البحر حتى يواجه الموج و خطر الغرق، إن أراد استنهاض إرادة الحياة ضد قبضة الموت، وما كان لنا أن نتعلم تلك الحكمة لو مكثنا في حجرة الدرس نتكلم عن فنون السباحة - دهرًا - دون أن نخوض لُّجَة التجربة!.

إنّ التجاربَ الكاملة بكل ما فيها من آلام ومتاعب، هي التي تصنع الرجل، إذ الحياة مَبنية على التعب والمشقة، ولا تستثنى من ذلك أحداً، بيد أنّ للكَبَدِ أصنافاً وألواناً، وكلٌ على قدر حظه ونصيبه، والرجل هو من يواجه واقعه، لا من يهرب منه إلى كهف العزلة وشرنقة الوٍحدة، ثم يُعلق فشله وقلة حيلته على شماعة الظروف وقسوة الزمن.

إنّ ميدان الحياة هو الفيصل بين إنسان وإنسان، ولنْ تأتى الحياة راكعة بين يدي إنسان كسول ترجو رضاه، بينما جلس في بيته يبحث عن مبرر لعجزه أكثر مما يبحث عن سبب يحرك به نفسه على درب الحياة الوعر، الذي لا يعترف سوى بالمتحركين، الذين يبحثون لأنفسهم عن مكان تحت الشمس، ولا يُخلِّد إلا ذكر المُبدعين الذين أجهدوا عقولهم وأبدانهم من أجل تقديم الجديد إلى الناس.

أخْطرُ ما يواجه المرء في حياته هو الاستسلام عند أول عَثرة، رغم أن السقوط والنهوض سُنَّة سَارية في حياة البشر، فمن أنكرها أنكر لازمة حياتية لن تغادر واقع الناس ولو اتخذوا لأنفسهم بروجاً مشيدة فوق قمم الجبال، لكنّ الأجدى أن يتلمس المرء الفكرة من وراء العثرة، ليتعلم كيف لا يسقط في المرة القادمة.. ليتعلم كيف يعالج أخطاءه!.

إن قائداً تعلَّم من نملة كيف يتنصر على أعدائه، من بعد ما كاد اليأس أنْ يتمكن من نفسه، فرأى نملة تحمل طعاماً تحاول أن تصعد به شجرة، فتسقط، ثم تحاول فتسقط، ثم تحاول فتسقط، عَشرُ مراتٍ حتى نجحت وصعدت، فتعلم منها شرفَ المحاولة، فانتفض من يأسه وحقق النصر على نفسه وعدوه.

إن الحياة تضع إرادة الإنسان، وهو يمضى على طريقها، تحت امتحانات واختبارات متعددة ومتنوعة، كي تختبر قدرته على التحمل والصبر والإصرار ومواصلة السير بلا تردد ولا توجس، ومن ثم فليس في مقدرة أي إنسان عبور واجتياز هذه الامتحانات والاختبارات، فمن الناس من يسقط عند الحاجز الأول، ومنهم من يسقط عند الحاجز الثاني، ومنهم من يسقط عند الحاجز الثالث، وهكذا!.

لكن أصحاب الهمم القوية والعزائم الفتية هم من يعبرون الحاجز تلو الأخر وكلما عبروا حاجزاً زادت همتهم ورغبتهم في عبور المزيد، وأولئك هم أصحاب الانجازات والبصمات الواضحات في حياة البشر، وأولئك هم من ضربوا أروع الأمثلة في جعل نقاط الضعف قواعد انطلاق وتحليق نحو العلو والتمكن والقوة، وأولئك هم من جعلوا من لحظات الانكسار أدوات للنهوض والمواصلة والاستمرار.

إن الجامعات تخرج لنا آلافاً من المتعلمين، لكن كم منهم يستحق لقب مثقف، يعي كيف يتعامل مع مفردات الحياة، إذ الأمر لا يتعلق بشهادة أو برسالة، بل يتخطى هذا المفهوم الضيق إلى ثقافة جَامِعَة تتناول كل مناحي الحياة، وهي ثقافة تُدرس موادها في فصول جامعة الحياة، ولولا التجارب الحياتية ما اكتسب البشر علماً، لأن العلم نفسه وليد التجربة.

إن ثقافة الحياة بناء ضخم وشاهق لا يُبنى عبر يوم وليلة، لأن الحياة حينما تلتقط إنساناً من نقطة الصفر، ثم تلقنه كل يوم درساً من دروسها، وإن اختلفت في مدى رقتها أو قسوتها، فإن ذلك يستغرق زمناً طويلاً، بل ربما يموت الإنسان وهو لا يدرك إلا اليسير عن لوغاريتمات الحياة، فيأتي من هم على شاكلته ليكملوا السيرَ على الطريق.

إن الحياة تُمسك بمعول من فولاذ تحفر به في فكر وعقل وضمير طلابها كل يوم درساً، لذا نرى خريج جامعة الحياة أكثر فهماً للغة الواقع، وأكثر تفاعلاً مع متغيراته ومعطياته وبالتالي يكون أقدر على التأثير فيه وترك بصمة واضحة على صفحته.
إن الضربة التي لا تقتل صاحبها توقظه وتبعث في أرجائه إرادة الحياة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي