الطاقة النووية.. تعقيب وحوار! (1 من 2)

لا تتوافر مبررات موضوعية كافية تقول إن الطاقة النووية غير مرحب بها في الدول الكبرى، بل الصحيح هو أن العالم كله يسعى إلى تغيير الطاقة الأحفورية (النفط والغاز الطبيعي والفحم) إلى طاقة نظيفة، وتأتي الطاقة النووية في مقدمة الخيارات المطروحة، بل تسبق خيار الطاقة الشمسية، والدليل أن وكالة الطاقة الدولية توصي باستخدام الطاقة النووية في برامج التنمية المستدامة لمزاياها العديدة, ومن أهمها نظافتها وصلاحيتها للبيئة ورخصها.
ومع أنني أحترم وجهة النظر التي يطرحها الزميل عثمان الخويطر والتي يحذر فيها من الطاقة النووية ويضع استخدام الطاقة الشمسية كخيار أفضل للسعودية، فإننا نرى أن ما يتوافر من معلومات رصينة حتى الآن يؤكد أن الطاقة النووية هي الأنسب لمجتمع المملكة.
دعونا نستعرض وجهة نظر الدكتور توفيق القصير الخبير والباحث السعودي في مجالات الطاقة النووية في الحوار الذي أجراه الزميل محمود لعوتة ونشر في صحيفة ''الاقتصادية'' في 20 نيسان (أبريل) 2010، يقول الدكتور توفيق في معرض حديثه: إن المملكة في حاجة ــ خلال السنوات العشر المقبلة ــ إلى الآلاف من الجيجا واط من الكهرباء وإلى ملايين الأطنان من المياه الصالحة للشرب، والمملكة بلد واسع الأرجاء تمتد فيه السواحل البحرية الشاسعة شرقاً وغرباً وعلى أطراف السواحل يمكن بناء ما نشاء من المفاعلات النووية، وأضاف الدكتور توفيق قائلاً: سيكون للطاقة النووية تأثير إيجابي ومباشر في كثير من القطاعات وخصوصاً في مجالات توليد الكهرباء وتحلية المياه، إضافة إلى الزراعة والصحة والصناعة والتعليم وحتى استخراج النفط والغاز، إضافة إلى توفير الكميات والأنواع المطلوبة من النظائر المشعة المستعملة في تطبيقات عديدة في السعودية، وعن الكوادر المتخصصة والمتوافرة في المملكة قال الدكتور توفيق: كانت الجامعات السعودية ومازالت مستعدة لهذا التطور ولديها كوادر بشرية مدربة من مهندسين وفيزيائيين وطلبة دراسات عليا وفنيين، لدينا أقسام للهندسة والفيزياء الذرية في ثلاث جامعات على الأقل وهي جامعة الملك سعود وجامعة الملك عبد العزيز وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وهناك عدد لا يستهان به من خريجي هذه الأقسام، كما يمكن استحداث كثير من الأقسام والمعاهد ومراكز الأبحاث، وهذا أمر يكون من اختصاص ومسؤولية مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، واختتم الدكتور توفيق حديثه قائلاً: إن استعمال التقنية النووية في تحلية المياه في المملكة سيسهم حتماً في تقليل تكلفة إنتاج المياه مقارنة بالأسلوب المعمول به الآن والقائم على استنزاف النفط الخام ومشتقاته في إنتاج الطاقة الكهربائية، إضافة إلى ذلك فإنه سيوفر للأجيال المقبلة في المملكة ملايين الأمتار المكعبة من النفط الخام, إضافة إلى الإسهام في تقليل التلوث البيئي وتلوث الهواء نتيجة لإنبعاثات الغازات الناتجة عن حرق النفط ومشتقاته لتوليد الكهرباء في المحطات التقليدية القائمة.
ويضاف إلى كلام الدكتور توفيق إن وكالة الطاقة الدولية حذرت من أن الدول إذا ظلت تستهلك البترول بهذه الكميات الهائلة، فإن البترول سيتعرض للنضوب في عقود قليلة مقبلة، كما أن أسعاره لم تعد أسعاراً اقتصادية مقارنة بأسعار الطاقة النووية، وأشارت الوكالة إلى الطاقة النووية كبديل أنسب وأرخص وأنظف للطاقة في العالم.
ولذلك فإن الدول الكبرى التي تستهلك البترول بكميات كبيرة باتت تلوح برغبتها في التحول عن النفط إلى الطاقة النووية، ويضاف إلى ذلك أنه لم يعد يترتب على بناء وتشغيل المفاعلات النووية أية انبعاثات لغازات مؤذية تؤثر في البيئة والإنسان كما يحدث بالنسبة لاستخدام محطات الغاز والنفط والفحم، وثمة دراسة علمية تؤكد أن البشرية كان يمكن أن تتعرض كل عام لانبعاث غازات كربونية يصل حجمها إلى 600 مليون طن تهدد البيئة وتلوث الأجواء الكونية إذا استمرت الدول في تشغيل محطات حرارية تعمل بالغاز والبترول بدلاً من 443 محطة نووية تعمل بأمان في عدد كبير من دول العالم.
من هذا المنطلق فإن دول العالم المتقدم أخذت تعيد النظر في حساباتها وتتصالح مع الطاقة النووية وتتجه بقوة إلى علوم الطاقة النووية لأنها باتت تدرك أن الطاقة النووية هي البديل الأفضل للنفط ومشتقاته وأنها مصدر اقتصادي مهم لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، كذلك ستلعب الطاقة النووية دوراً كبيراً في تقدم ما يسمى بالطب النووي وزيادة المحاصيل الزراعية واستخدام الأسمدة الحيوية الآمنة وتخصيب التربة وتطوير سلالات النباتات إلى غير ذلك من المنافع المؤثرة في اقتصاديات الإنسان.
إن الدراسات التي أجريت للمقارنة بين تكلفة إنتاج الكهرباء أو المياه المحلاة باستخدام الطاقة النووية والطاقة الأحفورية (بترول، غاز طبيعي، فحم) أثبتت أن الطاقة النووية أصبحت المصدر الأول للطاقة في العالم منذ أن وصل سعر برميل النفط 15 دولاراً، أمّا إذا كان سعر برميل النفط قد بلغ نحو 80 دولاراً، فإن الطاقة النووية تكون المصدر الأرخص للطاقة، وبالتالي فإن إنتاج الكهرباء والمياه المحلاة يكون أقل تكلفة بشكل ملحوظ، ولذلك يمكننا القول إن استخدام الطاقة النووية في تحلية المياه وتوليد الكهرباء أصبح ضرورة وطنية وعالمية.
أمّا الميزة التي تسجلها الطاقة النووية حديثاً، فإنها تتمثل في خفض تكاليف إنشاء المحطات النووية بصورة لافتة جعلت الطاقة النووية الأكثر تنافسية والأقل تكلفة في الإنشاء والتشغيل دون الإخلال بعامل الأمان النووي.
وواضح من خلال التقارير التي بين أيدينا أن استخدام الطاقة الشمسية على مستوى العالم لم يكن بالمعدلات التي تحققت للطاقة النووية لأسباب موضوعية كثيرة, منها أن هياكل بناء الطاقة الشمسية يحتل مساحات كبيرة، بينما المحطات النووية المولدة للطاقة تشغل مساحات صغيرة نسبياً، كما أن مجالات استخدام الطاقة الشمسية ما زالت محدودة مقارنة بمجالات استخدام الطاقة النووية التي لامست ــ كما أوضحنا ــ جميع مجالات الحياة الاقتصادية، ونلمح من الخطوات التي قطعتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية أنها أعارت مشروع الطاقة الشمسية اهتماما كبيراً لفترة تعدت 40 عاماً ولكن النتائج ما زالت محدودة.
وعلى كل حال نحمد الله سبحانه وتعالى الذي حبا هذه الأرض (السعودية) بكل النعم والموارد، فنحن لدينا أكبر احتياطي عالمي من النفط، ولدينا أشعة الشمس الملتهبة التي ترسل بريقها على مدار العام، كذلك لدينا سواحل شاسعة تستوعب ما نشاء من المفاعلات المولدة للطاقة النووية.
وفي الأسبوع المقبل أواصل الحديث عن تفوق الطاقة النووية على الطاقة الشمسية إن لم يكن في الأمد البعيد فهو بالتأكيد في الأمد المنظور.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي