أزمة اليونان .. هل ستؤثر في المالية الإسلامية؟
الحقيقة أن الأزمة اليونانية أصبحت اليوم حديث الوسط الاقتصادي العالمي، بل أصبحت تتصدر الأخبار اليومية، وتؤثر في الأسواق العالمية في الشرق والغرب، فقد تأثرت البورصة اليابانية وفي دول أوروبا والولايات المتحدة، ودول كثيرة في العالم، ولم تسلم دول الخليج من هذه الآثار رغم أن الظاهر ليس هناك علاقة مباشرة بالأزمة.
وبالنظر إلى هذه الأزمة نجد أنه ليس من الصعب على المتأمل تفسير أثرها في العالم، إذ إن الاتحاد الأوروبي, واليونان بالطبع جزء منه، أصبح تكتلا مؤثرا على مستوى العالم نتيجة لمكونات هذا الاتحاد من دول كبرى مؤثرة اقتصاديا على مستوى العالم. وأصبح اليورو بعد ذلك عملة العالم الثانية بعد الدولار، وكان العالم ينظر إلى هذا التكتل الاقتصادي منافسا قويا للولايات المتحدة، وبطبيعة الحال فإن أي تأثر لدولة من مكونات هذا التكتل, خصوصا دولة رئيسية فيه وهي اليونان، سيكون أثره في الجميع.
مع العلم أن الديون التي تمثل عبئا على اليونان اليوم في غالبها ما هي إلا قروض من دول مجاورة ضمن إطار الاتحاد الأوروبي، فعدم القدرة على السداد، سيكون له أثر في الدائنين الذين ستجد أن من أكبر هذه الدول ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها من الدول التي تمثل اقتصادات كبرى في أوروبا، وهذا ما يفسر هذا التسارع في تأثر العملة الأوروبية اليورو مقابل العملات الرئيسية، والمعادن الثمينة والسلع الأساسية.
والحقيقة أن ما دعا إلى كتابة هذا المقال ما جاء في صحيفة ''الاقتصادية'' بتاريخ 25 جمادى الأولى لعام 1431هـ الموافق 9/5/2010م في العدد رقم 6054, حيث جاء في الخبر ''نفت كبرى وكالات التصنيف العالمية في مقابلة مع ‘’الاقتصادية’’ انكشاف البنوك الإسلامية على أزمة الديون اليونانية، على الرغم من ظهور أنباء بتأثر أسواق البورصات الخليجية، إلى حد نسبي، بالاضطرابات الاقتصادية التي هزت القطاع المالي الأوروبي. حيث نفت ستاندرد آند بورز تأثر البنوك الإسلامية بالأزمة اليونانية، وأكدت أنه لا يوجد تأثير مباشر فيها'', وما ورد في هذا الخبر يعطي عدة دلالات تعد مهمة في منعطف المالية الإسلامية:
الأولى: أن المالية الإسلامية أصبحت تأخذ بعدا عالميا أكبر بشكل مستمر, إذ إن وكالات التصنيف أصبحت تهتم بوضع المالية الإسلامية عند حصول أي تغير في الاقتصاد العالمي سواء الأزمات أو الانتعاش الاقتصادي وغير ذلك. وهذا يجعل على المالية الإسلامية عبء تطوير أنظمتها وتشريعاتها من خلال حوكمة هذا العمل على مستوى الدول الإسلامية, وأن يكون هناك قبول عالمي لهذه الضوابط والتشريعات، بحيث يحقق هذا القطاع الاعتراف العالمي بمستوى الاعتراف الذي يحصل في عمل المالية التقليدية، إذ إن كثيرا من دول العالم اليوم لا تتواءم تشريعاتها مع طبيعة عمل المؤسسات المالية الإسلامية، ما يفقد ذلك فرص هذا القطاع لهذه المؤسسات. وفي الوقت نفسه فإن هذا الاهتمام العالمي يمثل عبئا على المؤسسات المالية الإسلامية، إذ إنها الآن أصبحت محط أنظار المؤسسات العالمية، ما يتطلب العمل على ضبط أعمالها كيلا يكون وجودها محل قلق دولي لذلك ولعدم وجود الشفافية الكافية في نشاطها.
الثانية: أن المالية الإسلامية ما زالت في هذه المرحلة تعد بشكل أو آخر قادرة على تجاوز الأزمات، ولعل ذلك له عدة أسباب منها أن طبيعة أنشطتها الحالية لم تدخل في مجالات الأنشطة المالية التي تأثرت بالأزمة, وربما يكون ذلك بسبب أن طبيعة هذه المعاملات تعد من المحظور الذي لا يجوز الدخول والتعامل فيه مثل كثير من أشكال بيع الديون، أو أن حجم المالية الإسلامية لا يسمح له بالتوسع الكبير ليصل إلى اليونان, حيث إن حجم أصول المالية الإسلامية رغم النمو الكبير فيه في الفترة الماضية لا يزال لا يشكل شيئا مقابل حجم المالية التقليدية، كما أنه من الممكن أن طبيعة النظام المالي في اليونان ربما لا يتناسب مع طبيعة استثمارات المؤسسات المالية الإسلامية, فكان ذلك ضارة نافعة.
الثالثة: أن عدم انكشاف المؤسسات المالية الإسلامية على أزمة اليونان ربما يؤخذ بشكل إيجابي كما هي الصور التي كان عليها الوضع في الأزمة المالية العالمية, حيث إن تلك الأزمة كانت سببا في أخذ المالية الإسلامية بعدا عالميا واهتماما كبيرا من دول العالم، وهذا في حد ذاته سيكون له دور في إتاحة فرصة أكبر لهذا القطاع.
يبقى أن هذه الأزمة لا بد ألا تجعل من المؤسسات المالية الإسلامية واثقة ومطمئنة من قدرتها على تجاوز أي أزمة, بل لا بد أن يكون لديها الاحتياطات اللازمة ومن أهمها الالتزام فعليا بضوابط الشريعة, إذ إنها فعلا صمام أمان لعدم حدوث أزمات مالية مستشرية وكبيرة وإن كانت فعليا في طبيعتها فيها شيء من المخاطرة المعتدلة التي تخدم التنمية، وتحقق مبادئ الاقتصاد الإسلامي العامة. كما أن هذا يتطلب أن تبحث المؤسسات المالية الإسلامية والمؤسسات المالية للدول الإسلامية عن آلية لضبط عمل المؤسسات المالية الإسلامية.