الرقابة الداخلية وحرب الفساد .. قراءة للقرار الملكي
ليس له طعم ولا لون ولا رائحة، نغص به ويخنقنا كأنه الماء الآسن ولو كان ماء لعالجناه. يتغلل في جسد المجتمع كأنه الطفيلي, قد أجهدنا وليته كائن حي لأجهدناه. كأنه الشيطان يرانا ولا نراه, يعرف سرنا ولا نعرف خباياه. إنه الفساد الذي لو كان جيشا لحاربناه أو رجلا لصلبناه, لكنه كالضباب تجزم به كأنك تراه فإذا ما قبضت يدك عليه لم تخرج بشيء. تظنه في هذا الموظف أو في ذاك، في هذه الدائرة أو في تيك، وإذا أيقنت بأنك قطعت دابره ظهرت له أطراف. حاربته أمم الأرض منذ عصر الخليقة الأول وما ظفرت منه بشيء, ينقطع أثر هنا ليظهر من هناك. لكن بالعدل الذي قامت عليه السموات والأرض ينحسر مده وتضعف أطرافه وتختبئ فئرانه. فكأن بينه وبين العدل حربا سجالا, وسنة عظيمة من سنن الله في خلقه فإذا ضعف العدل ظهر الفساد وانتشر وعمّ, و إذا عمّ العدل خنس واختفى إلى حين غرة. ليس العدل في العقاب وكف اليد بعد الفساد, بل العدل سابق على القصاص شامل له. يقوم العدل بقيام أسبابه, ومن أسبابه عدم ترك الحبل على الغارب, ومن أسبابه إقامة نظم الرقابة السليمة على أسسها المرعية. هذه الشمولية في التعامل مع الفساد كانت روح القرار الملكي الذي صدر يوم الإثنين الماضي في استجابة عادلة لما تعرضت له مدينة جدة من سيول جارفة أهلكت الحرث والنسل, والله لا يحب الفساد. فقد تضمن القرار في مقدمته وحيثياته أنه جاء استهداء بقول الحق ـ جل جلاله ''إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً''، وقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ''كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته'', وأنه يأتي لإرساء معايير الحق والعدالة.
في هذا الإطار الشامل والواعي لمعنى الفساد, وليكون معلما لكيفية محاربته جاء القرار لا ليعاقب بل ليعالج، لم يأت للقصاص, بل للحياة. ولأنه يصعب حصر الفساد في شخص فإن معنى العدل أكبر من معنى العقاب, لذا جاء القرار شاملا لدحر الفساد في شتى صوره التي ظهرت في أحداث سيول جدة. الأشخاص المتهمون فسادا تمت إحالتهم إلى جهات التحقيق المختصة لإحقاق الحق لهم وعليهم. ولأن صور الفساد أكبر من حصرها في صورة أشخاص كان قرار العدل أشمل, لذا جاء ليعالج مشكلات قنوات تصريف السيول وإزالة جميع العوائق أمام جميع العبارات والجسور القائمة وتحرير مجاري السيول وإزالة العقوم الترابية التي تحيط بالأراضي الواقعة في بطون ومجاري الأودية والتخلص من بحيرة الصرف الصحي, وكذلك إيقاف تطبيق المنح والبيع والتعويض وحجج الاستحكام على الأراضي الواقعة في مجاري السيول وبطون الأودية. إنها نظرة شمولية للفساد بشتى صوره وليس مجرد نظرة قاصرة هدفها امتصاص الاحتقان الشعبي ضد هذه الفاجعة.
ولأن معالجة الفساد ليست ردة فعل عقابية، بل منهج متطور لنظام الرقابة الداخلية ومعالجة الخلل في هذا النظام أينما ظهرت, لذا شمل القرار تطوير نظام متكامل للتوثيق وكتابة العدل وتحديد اختصاصاتهم ومسؤولياتهم وإجراءات عملهم وطريقة محاسبتهم والعقوبات عن مخالفاتهم. هنا يظهر جانب من جوانب تطوير نظم الرقابة من حيث فصل المسؤوليات وتحديدها بشكل دقيق وكأنه تجريد يد الفساد من أهم أسلحتها, وهو تشتيت المسؤوليات وضياع فرص المحاسبة. وفي هذا التحديد الدقيق تطبيق صريح للحديث الشريف الذي استشهد به القرار في حيثياته ''كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته'', فالمسؤولية تابعة للرعاية المحددة بدقة. ومن تطوير نظم الرقابة الداخلية التي نص عليها القرار لمكافحة فرص الفساد إصدار نظام ينظم تملك ومنح العقارات لتلافي السلبيات السابقة التي أدت إلى التعدي على الأراضي والتملك بطرق غير مشروعة بالمخالفة للأنظمة والتعليمات، وكذلك أنظمة الرقابة والضبط ووحدات الرقابة الداخلية. وهنا تعلو نبرة الصوت الرقابية من خلال التشديد بكل صراحة على الدور المطلوب والمسؤولية الكبيرة لوحدات المراجعة الداخلية. وفي هذا الجزء من القرار تظهر الحنكة و الحكمة في التعامل مع الفساد ويظهر الفهم العميق له, فالفساد لا لون له ولا مادة وليس شخصا ولا دائرة, فتطوير نظم الرقابة الداخلية ووحداتها أهم وأرقى أسلوب لمكافحة الفساد بشتى صوره, والقرار يستشعر ذلك بوضوح وهو يلقي ذلك الهم على عدة جهات مختصة منها وزارة الداخلية والعدل وهيئة الرقابة والتحقيق وديوان المراقبة العامة. هذه الشمولية في تحديث الأنظمة وترابطها وتوزيع المسؤوليات هو الحل الحقيقي لكل تلك المشكلات التي يعانيها المجتمع, وهو الإعلان الحقيقي للحرب ضد الفساد. وهذا وربي عمل ضخم ومسؤولية كبيرة وأمانة عظيمة ترزح تحتها السموات والأرض وتخر الجبال هدا.
وإذا كان القرار قد حدد الجهات التي عليها مسؤوليات التنفيذ ولأنه وضع دورا جسميا لنظم الرقابة الداخلية وشدد على حصر جميع الشركات والمؤسسات والمكاتب الاستشارية, التي ثبت تقصيرها وإهمالها، ومن يتبين لاحقاً تقصيرهُ، أو إهمالهُ، كما أشار إلى إمكانية الاستعانة في ذلك ببيوت الخبرة المتخصصة سواء في الداخل أو الخارج, فإن في ذلك دورا واضحا للهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين وكذلك هيئة المحاسبة والمراجعة لدول مجلس التعاون الخليجي, وهما الجهتان اللتان تمتلكان خبرة واسعة في مجالات تطوير نظم الرقابة الداخلية وإصدار القواعد المعايير المنظمة لها, كما أن لهما خبرة واسعة في تقييم المكاتب الاستشارية ذات العلاقة بمثل تلك الأحداث. لذا فإن إشراك هاتين الجهتين ربما يكون له أثر بارز ولو بالقيام بدور المراقب على التنفيذ وتقديم تقارير وتقييمات مهنية مستقلة. وفي الحرب ضد الفساد يجب أن تستثمر الأمة كل الفرص والقدرات المتاحة لها في إطار التعاون المحمود على البر والتقوى.