رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل يحق لنا التشبث بحرفية النص إن كان دنيويا أو دينيا؟

النص، إن كان مكتوبا أو محكيا، له تاريخ، بيد أن النص المكتوب أكثر مقاومة لعاديات الزمن والتلاعب بالألفاظ والتحوير والتزوير من النص المحكي. والنص المحكي تاريخه أي زمنه قصير. وكلما زاد تدوله وزمنه قبل تحويله إلى رموز كتابية، ازدادت إمكانية تزويره وتحويره. وهذا ينطبق كثيرا على الفترات القديمة قبل اختراع آلات التسجيل الحديثة.
النصوص الدينية التي تعنينا، أي الكتب السماوية، بدأت كلها نصوصا محكية. ولم يشترك في كتابتها متلقوها من الأنبياء. كتبها أتباعهم بعد وفاتهم عدا القرآن، حيث قام بعض الصحابة بكتابة قسم من السور ومحمد لا يزال بينهم. تاريخية النصوص، دينية كانت أم دنيوية، مسألة ذات أهمية بالغة. كل نص وليد زمانه ومكانه. القراءة الحرفية قد تكون جائزة عند ولادة النص. وكلما بعد النص عن زمانه ومكانه، زاد بعدا عن حرفيته. لماذا؟ لأن المكان والزمان يؤثران في النص إن شئنا أم أبينا.
وتأثير الزمان والمكان يتجاوز النص. تغيير الزمان والمكان يغير أنفسنا وهذا التغيير يعتمد على عوامل عديدة منها ما تجعله محسوسا للعين البشرية ومنها ما تجعله غير مرئي ولكنه موجود. هل في إمكان المسلمين في السويد التصرف تجاه إسلامهم مثل المسلمين في السعودية؟ هل في إمكان بابا روما وكرادلته وأساقفته التأثير في المؤسسة التشريعية في إيطاليا ذات الأغلبية الكاثوليكية مثل تأثيرهم في الفلبين، ذات الأغلبية الكاثوليكية. أي أسقف في إيطاليا يتجرأ على حرمان كاثوليكية أو كاثوليكي يستخدم موانع الحمل الحديثة؟ أما في الفلبين، البلد الذي يعاني سكانه الفقر المدقع، فسيف السلطة الكنسية مسلط على رقاب الكاثوليك. هل بإمكان شيوخ وأئمة المسلمين في لبنان التأثير في المحيط الاجتماعي وفي المحيط المسلم ذاته كتأثير أقرانهم في السعودية؟ نحن لسنا بصدد الخطأ والصواب. غايتنا تبيان تأثير المكان على أتباع النص الواحد.
وتأثير الزمان في النص لا مفر منه. كلما زاد النص عمرا، بَعُد عن حرفيته. حرفية النص قابلة للحياة فقط ضمن إطار الزمن الذي ولد فيه. والنص القديم لا يفسر حرفيا إلا ضمن نطاق زمانه ومكانه. وهكذا عندما تغيّر الزمان وأمسك البشر بناصية العلم والمعرفة، طفت عيوب التفسير الحرفي للتوراة والإنجيل على السطح. وكم قاومت سلطة الكنيسة، مستخدمة تارة حق الحرمان والإقصاء وتارة البطش، إلا أنها واجهت مقاومة عنيفة، التي انتصرت أخيرا وحجمت دورها في العالم المتدني وحصرته في عدة قصور داخل مدينة روما. كم استغرق من الوقت ومن الظلم حتى قبلت الكنيسة ظاهرة أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس حسب ما يرد في التوراة؟ النص يلحق الزمن وليس العكس. إن ألحقنا زمننا اليوم بحرفية ما يرد في التوراة وما يرد في الإنجيل، لما استطعنا العيش ولانهارت الحضارة الغربية برمتها.
وما يجب ملاحظته هنا أن عدم تطابق التفسير الحرفي مع الزمان لم يؤد إلى انهيار المسيحية. ما حدث هو العكس تماما. عدم التطابق أدى إلى ظهور كنائس جديدة وطوائف مختلفة انشقت عن التفسير الحرفي مثل ما حدث في السويد. واليوم تعد الكنيسة السويدية، الخصم التقليدي للكنيسة الكاثوليكية، واحدة من أقوى مؤسسات المجتمع المدني بمشاريعها الخيرية لدرجة أن كثيرين يعتقدون أن الكنيسة السويدية أقرب إلى تعاليم عيسى من الكنيسة الكاثوليكية رغم أنها عصرية بشكل قد يثير القراء إن ذكرت ما تسمح به رغم أن حرفية النص تمنعه.
هل للزمان تأثير في الإسلام؟ هذا سؤال حساس جدا. ولكن رغم حساسيته ليس صعب الجواب. كل نص يقع تحت مطرقة الزمن. وأود أن أذكّر قرائي الكرام بشؤون وأساليب القتال والعدة للحرب التي يرد ذكرها في القرآن والسنة. ألم يسقط المعنى الحرفي لعبارة «رباط الخيل» في الزمن هذا؟ هل في الإمكان التشبث بها حرفيا رغم ورودها في القرآن؟ وإن كان الزمن قد فرض علينا تغيير «رباط الخيل» إلى المدفع والدبابة والقاذفة والصاروخ وربما القنبلة النووية، فهذا لا يعني على الإطلاق المس بقدسية النص. الله سبحانه وتعالى يعلم ما لا نعلم وهو الذي يسيّر الكون وزمانه. ولكن لم يطلب من المسلمين الأوائل أن يعدّوا الدبابة والطائرة والصاروخ للحرب لأنها لم تكن توائم زمانهم فهل بإمكاننا أن نتخلى عن حرفية نصوص أخرى كما فعلنا مع «رباط الخيل» ونحن محافظون على إسلامنا؟
وإلى اللقاء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي