أسواق النفط بين أساسيات السوق وحركة المضاربة
خلال آذار (مارس) الماضي ارتفع المخزون التجاري للنفط في الولايات المتحدة بنحو 5.3 مليون برميل، وفقا للتقرير الشهري الأخير لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط ''أوبك''. هذا الارتفاع في مخزون النفط الخام كان مدفوعا بكميات النفط الكبيرة التي تم تخزينها التي تجاوزت معدلات السحب من المنتجات النفطية. إن المخزون الكلي للنفط في الولايات المتحدة الآن أعلى من معدل متوسط السنوات الخمس الماضية بأكثر من 80 مليون برميل. في حين انخفض قليلا المخزون التجاري للنفط في دول الاتحاد الأوروبي الـ 15, إضافة إلى النرويج خلال الشهر نفسه، لكن لا يزال أعلى بنحو 30 مليون برميل عن متوسط المخزون الموسمي. كما انخفض قليلا مخزون النفط التجاري في اليابان في شباط (فبراير). مع ذلك، فإنه من الواضح جدا أن مخزون النفط لا يزال عند مستويات عالية في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، كما أن الصين، بعد اتفاقها أخيرا مع فنزويلا، قامت بتأمين كمية كافية من النفط من إحدى دول ''أوبك''، على نحو يومي على مدى السنوات الـ 25 المقبلة.
إن متوسط الطلب على نفط الدول الأعضاء في ''أوبك'' خلال العام الحالي يقدر بنحو 28.8 مليون برميل يوميا، حسب تقديرات التقرير الشهري للمنظمة. هذا المستوى من الطلب هو أقل من التقديرات السابقة بنحو 135 ألف برميل يوميا، هو أقل أيضا بنحو 100 ألف برميل يوميا عن متوسط الطلب على نفط المنظمة في العام السابق.
في الوقت نفسه ارتفعت سلة أسعار نفط ''أوبك'' القياسية بنحو 4.22 دولار للبرميل في آذار (مارس) إلى نحو 77.21 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى لسعر سلة ''أوبك'' منذ بداية الأزمة المالية في أيلول (سبتمبر) 2008. معدل التذبذب في أسعار النفط كان منخفضا في تلك الفترة, حيث راوحت سلة أسعار نفط ''أوبك'' بين 75.5 دولار للبرميل الواحد و78.7 دولار للبرميل الواحد. وهكذا، إذا كان الطلب عام 2010 سيبقى في مستويات متدنية، مقارنة بمستوياته قبل الأزمة المالية، ومخزون النفط الخام والمنتجات النفطية في البلدان الصناعية لا يزال عند مستويات عالية، إذن ماذا يدعم أسعار النفط فوق 80 دولارا للبرميل الواحد كما أن بعض البنوك الاستثمارية الكبيرة تتوقع أن يصل - عاجلا أو آجلا - سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل الواحد؟
أحد الأجوبة المحتملة عن هذا السؤال يمكن أن تكون: إن الدافع وراء الارتفاع في سلة أسعار نفط ''أوبك'' القياسية يعود إلى وجهة النظر المتفائلة التي سادت الأسواق، مدعومة بتحسن التوقعات بشأن النمو الاقتصادي العالمي وضعف الدولار الأمريكي مقابل اليورو في تلك الفترة، حيث المخاوف بشأن مشكلات اليونان المالية قد خفتت بشكل مؤقت. كما ارتفعت العقود الآجلة للنفط في 6 نيسان (أبريل) إلى أعلى مستوى لها منذ 18 شهرا، حيث وصل سعر نايمكس لخام غرب تكساس الوسيط لبداية تعاملات الشهر front-month settling إلى نحو 86.89 دولار للبرميل الواحد، في الأسبوع الذي دفع فيه المضاربون صافي مراكز الشراء net long positions على نايمكس إلى مستوى قياسي مرتفع جديد. لكن الأسعار تراجعت بعد ذلك، حيث استقرت سلة أسعار نفط ''أوبك'' القياسية عند 81.52 دولار للبرميل الواحد في 13 نيسان (أبريل). لكن إذا كان هذا هو الجواب عن السؤال، هذا يعني أن اتجاهات أسواق النفط تتحرك حسب وجهات النظر حول التوقعات بخصوص الاقتصاد العالمي وأسواق الأسهم والعملات، وتصر على تجاهل الأساسيات الأساسية والحاسمة في العلاقة بين العرض والطلب. إنه فقط يتحرك حسب توقعات الطلب والعرض المستقبلي وفقا لوتيرة الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة أو في منطقة اليورو. لكن عندما تكون أسواق النفط لا تعمل على أساس الأسس الأساسية لها والمتمثلة في العلاقة بين العرض والطلب، هذا وضع غير صحي ويخلق أجواء مناسبة للمضاربين بالعمل بحرية لتوجيه السوق. وهذا ما تمت ملاحظته في الآونة الأخيرة، حيث عاد المضاربون إلى السوق النفطي مرة أخرى.
الاستثمار في النفط الخام على اعتباره سلعة Asset استمر كمصدر قوي دفع المستثمرين إلى سوق النفط، واستمر أيضا في دعم الأسعار على الرغم من وجود تراكم ضخم من المخزون النفطي. على سبيل المثال ، بلغ حجم التداول لعقود خام غرب تكساس الوسيط بداية تعاملات الشهر في بورصة نايمكس أكثر من 430 ألف عقد في 10 آذار (مارس)، ما يقرب من ضعف مستوى العام الماضي. وانخفض حجم التداول اليومي بعد ذلك, لكن ارتفع من جديد إلى ما يقرب من 390 ألف عقد في 8 نيسان (أبريل) بعد أن ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط فوق 86 دولارا للبرميل في 6 نيسان (أبريل). وبالمثل، بلغ حجم التداول على عقود برنت في بورصة ICE إلى ما يقرب من 513 ألف عقد في 5 نيسان (أبريل) مقارنة بأقل من ثلاثة ملايين عقد في الوقت نفسه من العام الماضي، ما يعني زيادة قدرها أكثر من 70 في المائة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدد العقود المتداولة على خام برنت في بورصة ICE بلغ مستوى قياسيا يقدر بنحو 713496 عقدا في 5 شباط (فبراير) من العام الحالي.
خلال آذار (مارس) الماضي، شجع ارتفاع أسعار النفط المضاربين على زيادة صافي مراكز الشراء net long positions في العقود الآجلة لنفط نايمكس من 88821 مركزا في الأسبوع الذي بدأ في 9 شباط (فبراير) إلى أكثر من 170,00 مركزا في الأسبوع الذي بدأ في 16 آذار (مارس). كان هذا أعلى مستوى منذ 19 كانون الثاني (يناير) 2010، في هذا الأسبوع تعاملات بداية الشهر لخام غرب تكساس الوسيط وصلت إلى أعلى مستوياتها في 15 شهرا.
مع الأخذ بجميع هذه المعطيات في الاعتبار، لا توجد حاجة إلى أن تكون مختصا في أسواق النفط كي تدرك، لماذا أسعار النفط ربما تصل عاجلا أم آجلا إلى 100 دولار للبرميل الواحد، حتى مع ضعف العوامل الأساسية في السوق. حيث إن أساسيات أسواق النفط المتعارف عليها المتمثلة في العرض والطلب، الطاقات الإنتاجية الاحتياطية والمخزون العالمي من النفط جميعها لا تدعم اليوم أسعار النفط التي تشهدها الأسواق، على الرغم من ارتفاع التكاليف للمشاريع الهامشية التي تمثل أرضية لأسعار النفط . حيث إن الطلب العالمي على النفط ما زال نوعا ما ضعيفا والطاقات الإنتاجية الاحتياطية ارتفعت إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميا، كما ارتفع المخزون النفطي العالمي إلى مستويات قياسية هو الآخر. التقلبات الأخيرة في أسواق النفط ما هي إلا دليل آخر يعزز هذا الاستنتاج.
تنويه:
المقال يعبر عن رأي الكاتب الشخصي وليس بالضرورة يمثل رأي الجهة التي يعمل فيها.