مؤسسة النقد: ازدواجية الشخصية
أعلن الشهر الماضي عن طرح أولي لثلاث شركات تأمين جديدة لدفع عدد شركات التأمين إلى نحو 30 شركة، بينما هناك 11 بنكا مصرفيا فقط. أحد النماذج الطيبة في سوق المال السعودي كان ولا يزال تطور القطاع المصرفي. أحد أسباب نجاحه وتطوره هو الوصول إلى العدد ''المناسب'' بما يكفي للحد المقبول من المنافسة وكسر الاحتكار عدا الحاجة إلى مصارف في بعض المناطق كما تحدثنا في مقال سابق، وكذلك ما يتناسب مع الحاجة إلى قطاع مربح وبالحجم الكافي لصناعة مصرفية نشطة وقادرة على الاستثمار. يقابل ذلك قطاع تأمين يتميز بشركات كثيرة ورأس مال صغير في الأغلبية؛ وما يجعل هذا لافتا للنظر هو وجود هذين القطاعين تحت المظلة الرقابية نفسها.
كيف لمؤسسة النقد أن تلبس قبعتين في الوقت نفسه؟ في القطاع المصرفي تبدو حريصة وواعية إلى فعالية القطاع وحيويته، وتحت قبعة أخرى تأخذ بسياسة تحتلف تماما: القبول للكثير بالدخول في سوق التأمين. ما يجعل هذه الوضعية محيرة ناحيتان: الأولى، حجم سوق التأمين، فعلى الرغم من أنه في نمو إلا أنه أصغر بكثير من السوق المصرفية. والأخرى؛ أن إدارة المخاطر في إدارة قطاع التأمين قد تكون أكثر صعوبة وتعقيدا خاصة في ظل توزيع المهارات والقدرات البشرية المحدودة على عدد كبير من الشركات. مما يزيد الطين بلة أن قطاع التأمين يعاني خللا آخر يتمحض في ارتكاب خطيئة نظامية أخرى: فهو غالبه تأمين تجاري يريد أن يقول أنه تأمين تكافلي، وهذا مصدر آخر لسوء فهم الكثير من العملاء وحتى المستثمرين. كذلك قد يكون هناك تناقص نسبي في نمو الاشتراكات مما قد يهدد ربحية القطاع في المدى المتوسط.
حان الوقت لمؤسسة النقد أن تلبس القبعة التنظيمية نفسها وتتعامل مع قطاع التأمين على الدرجة نفسها من الحرص على سلامة القطاع وحيويته وأهليته للنمو وإدارة المخاطر، حيث سجل بعض من شركات التأمين خسائر مؤثرة مما اضطرها إلى رفع رأس المال في وقت قياسي. المهم أن تبدأ المؤسسة في التفكير مليا في إعادة هيكلة قطاع التأمين تدريجيا. قد تكون الخطوة الأولى من خلال رفع الحد الأدنى لرأس المال ثم إشعار الآخرين بضرورة رفع رأس المال بعد سنوات قليلة وقد يكون الدمج أو حتى الخروج من السوق إحدى هذه السبل. في المدى البعيد لن يتحمل السوق أكثر من عدة شركات وليس عشرات.
الهدف الأخير هو صناعة مالية تنافسية وحيوية وقادرة على المنافسة الإقليمية والعالمية وقد يصعب ذلك في تشرذم سوق اشتراكات التأمين وحالة اضطراب الدور الرقابي. لعل السبب الرئيسي في تلك الازدواجية هو استحقاقات المرحلة في الحاجة إلى المنافسة مبكرا، مما اضطر مؤسسة النقد إلى الأخذ بسياسة السوق المفتوح بينما القطاع المصرفي أخذ طريقا مختلفا في النشوء والتطور والطبيعة. لكن هذا لا يأخذ من استحقاقات أهم: تنظيم قطاع التأمين بما يضمن سلامته وحيويته من خلال ربحية مستدامة وشفافية تحد من المخاطر المترتبة على قطاع صعب الإدارة بطبيعته.