أوهـام حول ماليـة الحكومـة

يتوهم الطفل أن أباه على كل شيء قدير. الوهم نفسه موجود عند كثير من الناس. بمعنى أنهم يتوهمون أن الحكومة على كل شيء قديرة. وها نحن نرى دولا أكثر تطورا اقتصاديا منا توشك على الإفلاس.
كنت كتبت مقالة بعنوان مشابه لعنوان مقالة اليوم نشرت في 6 كانون الأول (ديسمبر) 2007، إبان الإشاعات بزيادة رواتب موظفي الحكومة زيادة كبيرة، قل مثلا 40 في المائة. انتقدني كثيرون على ما كتبت، ورثيت حال الناقدين لأنهم يعيشون تحت الأحلام والأوهام عن مالية الحكومات وأن بإمكان الحكومة حتى (تدبيل) رواتب موظفيها. زاد من أوهام هؤلاء تأييد متحدثين وكتاب ومحللين لهذه الأوهام. لا يفقهون أبعاد الموضوع، وتخصصاتهم ومواضع اهتماماتهم بعيدة عن المالية العامة ومشكلاتها.
توشك بعض الدول الأوروبية على الإفلاس، والسبب مديونية حكومية عالية جدا. لماذا نشأت هذه المديونية؟ السبب الأول شراء الناس بوعود بتوفير خدمات شتى وزيادة الرواتب والمستحقات وخفض الضرائب ودعم السلع وفعل كذا وكذا .. إلخ مما نسمعه كل يوم من مرشحي الأحزاب وغير مرشحي الأحزاب. أكثر الناس يحبون سماع مثل هذا الكلام. يتوهمون أن بالإمكان تحقيق هذه الوعود وأكثر منها، فالحكومة -عند هؤلاء - على كل شيء قديرة. لكننا نقول لا غداء مجانيا (في الدنيا). فمن أين لهؤلاء الواعدين أن يأتوا بكل هذا المال لتنفيذ ما وعدوا به الناس، في الوقت الذي لم تعد الخزانة العامة محتملة المزيد من الإنفاق؟ الاستدانة أقرب مصدر. وهكذا يتوسع الإنفاق وتتساهل الحكومات في الاستدانة، وتتعاظم الديون فوق الديون، ظلمات بعضها فوق بعض. ستقع المشكلات لاحقا لا محالة، لكن من وعد الناس بالرخاء وورطهم قد رحل عندما حلت الشدائد والمتاعب.
توشك اليونان على الإفلاس، ولجأت إلى الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لطلب الدواء. الدواء أمر من العلقم. لقد عرضوا المساعدة بشرط إدخال خطوات تقشفية شديدة. طلبوا خفض رواتب موظفي الحكومة ومعاشات التقاعد، وتقليل الدعم وزيادة الضرائب وتقليص الإنفاق. هاج الناس وماجوا وقامت المظاهرات العنيفة. لكن المظاهرات مهما كانت ومهما بلغت عنفا، لن تغير من الأمر شيئا. اليونان على وشك الإفلاس والديون تخنقها، وأمام الدولة اليونانية خياران: الإفلاس أو الإذعان.
من المحتمل أن تلحق باليونان دول أوروبية جنوبية أخرى. هذه أحوال دول أوروبية أكثر تطورا في اقتصادها وأكثر رشادا منا في إنفاق أموالها العامة، فكيف الحال بنا؟
بعض الناس سيحتج بالفساد. هذا احتجاج صحيح في ذاته، ولا مجال للإنكار، والناس يرون مظاهر الفساد في كل مكان. لكن الضرر لا يعالج بضرر أكبر منه. من القواعد الشرعية المقررة أن الضرر لا يزال بضرر أكبر منه. اطلبوا الرشاد في الإنفاق ومحاربة الفساد لا توسيع باب الضرر والخراب.
أزمة اليونان توشك أن تكون عالمية. وصرح مسؤولون من أمريكا واليابان بأن الأزمة أصبحت موضع اهتمام عالمي، بالنظر إلى تأثر أسواق المال في آسيا وأمريكا بما حدث في أوروبا. وأظهر الرئيس الأمريكي أوباما تأييده للمساعي الأوروبية، التي كان آخرها قمة الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة الماضي السابع من أيار (مايو) الجاري. وتعهد القادة الأوروبيون في هذه القمة أن يعملوا جماعيا نحو ضبط المالية العامة وزيادة الرشاد في إدارتها، وسرعة إنجاز مسودات القوانين الهادفة إلى تشديد تنظيمات السوق المالية.
من أساسيات إدارة المالية العامة والإنفاق العام تبني معايير موضوعية لتوزيع الإنفاق الحكومي على أوجه الصرف. مثلما أن هناك معايير تدل على حسن التصرف المالي للشركات، فإن هناك أيضا معايير تدل على حسن تصرف الحكومات في الأموال العامة وتوزيعها على أوجه الإنفاق.
من المعايير السائدة في إدارة الإنفاق العام أنه ينبغي ألا يزيد نصيب الرواتب والأجور وما يلحق بها على ثلث الإنفاق الحكومي، وينبغي أن يخصص نحو ربع الميزانية للإنفاق الحكومي الرأسمالي ونحوه. وانخفاض الإنفاق الحكومي الرأسمالي يضر بنمو الاقتصاد. ما الوضع في المملكة؟ بلغ نصيب الرواتب والأجور (الباب الأول في الميزانية) ومن حيث المتوسط نحو نصف الإنفاق الحكومي خلال السنوات الـ 25 الماضية. بينما بلغت نسبة الإنفاق الرأسمالي أقل من 15 في المائة خلال الفترة نفسها.
وهناك أمر آخر ربما كان أكثر أهمية، وهو القدرة على الاستمرار. من المهم أن يعرف مدى الثقة بقدرة الحكومات على استمراريتها في دفع الالتزامات على المدى البعيد، أخذا في الاعتبار ظروف الاقتصاد وتزايد السكان ـ بالنسبة للمملكة ينبغي أن يؤخذ موضوع تقلب أسعار وإيرادات النفط في الاعتبار. طورت عدة معايير لبيان قدرة المالية العامة على الرسوخ والاستمرار، ويدخل في بنية هذه المعايير نمو الاقتصاد ونمو الدين العام. وفي كل الأحوال الموارد لها حدود، وفي الجنة فقط موارد بلا حدود. وبالله التوفيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي