البرامج الأكاديمية للمالية الإسلامية والاهتمام العالمي
البرامج الأكاديمية والبحث العلمي هي واحدة من أساليب التطوير واستمرار النجاح. إذ إن استمرار نمط العمل الفردي الذي يعتمد على عمل غير منظم ربما يهدد استمرار هذه القضية وضعفها مستقبلا، ذلك أن الاجتهاد الفردي وإن كان مهما في المراحل الأولى إلا أنه ليس بضمانة للاستمرار والنجاح.
ولما أصبحت المالية الإسلامية اليوم محل اهتمام وأنظار العالم بعد الأزمة المالية العالمية، ومواجهة هذا النظام للأزمة التي لم يكن لها أثر مباشر في المؤسسات المالية المتوافقة مع الشريعة، وذلك بالتالي أعطى مؤشرا لحجم الثقة بهذا القطاع، والتفاؤل باستمرار النمو خصوصا مع إقبال كثير من المستثمرين ورؤوس الأموال، وإذا نظرنا إلى حجم هذا القطاع وهو المالية الإسلامية مقارنة بالمالية التقليدية فإنه لا يزيد على 1 في المائة, وهذا يمثل فجوة كبيرة، تدعو إلى التفاؤل والتوقع باستمرار ضخ مزيد من رؤوس الأموال لهذا القطاع, خصوصا أنه يمثل اهتمام خمس سكان الكرة الأرضية ومحل ثقة لدى العالم.
من الطبيعي أن هذا الاهتمام يتطور كي تكون المالية الإسلامية قضية تأخذ وضعها المناسب كأي قضية أخرى لها الحجم نفسه من الاهتمام، ومن الطبيعي أيضا أن يكون لهذا القطاع الاهتمام على مستوى البرامج الأكاديمية التي تدعم استمرار تطوره، وتوفر القوى العاملة القادرة على إدارة هذا القطاع وضبط عملياته بدلا من استمرار الوضع السائد وهو عمل قليلي الخبرة في المجال الذي ربما يؤدي إلى عدم تطبيق مبادئ المالية الإسلامية على الواقع كنتيجة طبيعية بسبب ضعف الخبرة.
والبرامج الأكاديمية والبحوث لها دور مهم في عملية التأصيل للمالية الإسلامية والابتكار وعلاج المشكلات والعقبات ووضع رؤية مستقبلية للقطاع، وتوفير الكوادر المؤهلة للعمل، وزيادة فرص نشرها عالميا.
ولما انتشرت المالية الإسلامية اليوم، بدأت خلال الفترة القصيرة الماضية برامج متعددة في هذا المجال، مع العلم أن هذا المجال في السابق لم يحظ بهذا الحجم من الاهتمام إلا على مستوى مؤسسات محدودة مثل بعض الجامعات في المملكة على مستوى تخصص الاقتصاد الإسلامي, كما في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (وتحول الآن إلى كلية الإدارة والاقتصاد) وجامعة أم القرى وجامعة الملك عبد العزيز في مركز الاقتصاد الإسلامي، كما أن جامعة عريقة في العالم مثل جامعة هارفارد في الولايات المتحدة لها اهتمام منذ فترة ليست بالقصيرة على مستوى الملتقيات الدورية، وقاعدة بيانات عن البحوث في هذا المجال. وبريطانيا تعد من الدول المتقدمة في هذا المجال عبر البرنامج الأكاديمي للماجستير والدكتوراه الذي تقدمه جامعة درم، وماليزيا منذ فترة ليست بالقصيرة تتطلع إلى أن تكون المركز الرئيس في هذا المجال على مختلف المستويات سواء الأكاديمية أو استقطاب رؤوس الأموال. ويبقى أن هناك تجارب متعددة هنا وهناك مثل باكستان والأردن ومصر وغيرها من الدول.
لكن اليوم أصبح الاهتمام خلال الفترة القصيرة الماضية أكبر مما هو متصور, إذ إن ما أنشئ من البرامج خلال السنتين أو الثلاث الماضية ربما يتجاوز ما تم خلال أكثر من 20 سنة، فعلى سبيل المثال نجد أنه في بريطانيا وحدها استحدث ما يقارب أربعة برامج للدراسات العليا في جامعات دندي ونيوكاسل وريدنج وبانقور، وربما يكون في جامعات أخرى عمل على استحداث برامج قريبا.
كما أنه في دول أخرى لم يكن لها أي اهتمام بهذا المجال، أصبحت تقدم برامج في المالية الإسلامية مثل فرنسا في جامعة باريس دوفن Paris-Dauphine University لديها الآن برنامج للماجستير في المالية الإسلامية، كما أن هناك برنامجا آخر في المالية الإسلامية في جامعة لاتروب La Trobe في أستراليا، إضافة إلى البرامج التي تعمل اليوم بعض الجامعات والمؤسسات في المملكة مثل جامعة عفت حيث إن لديها برنامج ماجستير تنفيذيا في المالية الإسلامية Executive Master for Islamic Financial Management، وبعض المؤسسات الأخرى التي تعمل الآن على البدء في برامج نظيرة مثل جامعة الملك عبد العزيز، والبنك الإسلامي للتنمية، ومن الممكن أن جامعات أخرى مثل جامعة الإمام أن يكون لها مساهمة في هذا المجال مستقبلا. والحقيقة أن هناك أيضا برامج أكاديمية أخرى في هذا المجال في دول الخليج والدول العربية والإسلامية بشكل عام. كما أن كثيرا من دول العالم اليوم أصبحت تحتضن المالية الإسلامية من خلال الملتقيات العالمية على مستوى عال لمناقشة القضايا المتعلقة بالمالية الإسلامية، ولدى بعض الجامعات أيضا برامج أكاديمية مضمن فيها بعض المواد المتعلقة بالمالية الإسلامية.
الخلاصة أن هناك تقدما كبيرا في هذا المجال المهم, ومن الضروري دعمه ليس فقط من خلال الدعم المادي، أو الإنشاء لهذه البرامج دون دراسة وبحث. بل لا بد أن تكون هذه البرامج مؤصلة بشكل جيد، وتعتمد على المعايير المعتمدة للبرامج الأكاديمية، من حيث جودة المقررات وحجمها وكفاءة أعضاء هيئة التدريس وقدرتهم على تقديم هذا البرنامج، وعدد ساعاتها بالنسبة إلى مجمل البرنامج، واستيعابها كل ما يتعلق بالمالية الإسلامية، من جهة التأصيل الشرعي والمعرفة بالأدوات المالية المعاصرة وكيفية عملها، وكيفية الابتكار في هذا المجال.
د. صلاح بن فهد الشلهوب