كيف نقرأ النص الديني أو الدنيوي وكيف نفسره؟
كيف تقرأ هذه الآية أو كيف تقرأ هذه الجملة أو الفقرة؟ هذه الأسئلة نثيرها عندما تراودنا استفسارات أو حتى شكوك حول المعنى "الصحيح" للنص. وإن قلتُ ليس هناك معنى واحد صحيح وموثوق وحقيقي لأي نص في الدنيا، لاختلف معي كثير من القراء. كل نص وليد بيئته وكل نص يحتمل أوجها متعددة تختلف باختلاف تموضعنا وثقافتنا ومكاننا وزماننا. ونحن نتشبث بقراءتنا، لأن النص في اعتقادنا يلائم ما نحن نحملّه. وإن حدث تغيير في وضعنا ومكاننا أو انتقلنا من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر لرأينا أن قراءتنا النص ذاته قد تفقد الأهمية التي كنا نوليها له.
والنص قد يتألف من كلمة واحدة أو كلمتين أو أكثر. الكتاب في مجمله نص وكل كلمة أو عبارة أو جملة أو فصل فيه يعد نصا لذاته. هذا هو التعريف النمطي للنص. أما قراءة النص يجب أن تبتعد عن هذا التعريف. قراءة النص يجب أن تكون قراءة نقدية تأخذ في الحسبان الدلالة والمعنى الذي يمنحه النص. وهذه الدلالة لا يمكن أن تكون متشابهة باختلاف الزمان والمكان، وقد تختلف من شخص إلى آخر وربما من يوم إلى آخر. الخطر والمجازفة تأتي من المؤسسة التي تعتقد أنها ليست صاحبة النص فقط بل قارئته الوحيدة وتستهجن، لا بل تحارب من خلال مالها وسلطانها وعسكرها القراءات الأخرى.
والأمثلة للبرهنة على ما ذكرناه كثيرة جدا غالبا ما ننسى أننا الضحايا. انظر إلى الأديان السماوية، وكيف أن الفرق والطوائف المختلفة لها قراءتها المختلفة للنص ذاته، وكيف أن كل واحدة منها ترى أن قراءتها هي الصحيحة وهي الحق والحقيقة. كم من حروب مروّعة وكم من صراعات بشعة، وكم من فتاوى أدت إلى قتل الآلاف المؤلفة من الأبرياء في التاريخ وإلى يومنا هذا سببتها القراءات المختلفة للنص الواحد. كم تقاتل ويقاتل حتى هذا اليوم أتباع عيسى الواحد الآخر بسبب قراءتهم المختلفة لنصوص إنجيلية. واليوم تخشى الكنيسة القبطية في مصر على وجودها! السبب ليس وجودها بين أتباع محمد لأنهم عاشوا معا إلى أكثر من 1400 عام. الخوف على الكنيسة القبطية يأتي من الكنائس الأخرى، ولا سيما الكاثوليكية والإنجيلية، المؤسستان الكبيرتان اللتان تستخدمان سلطاتهما الهائلة ومالهما الذي لا يعد ولا يحصى لاستمالة الأقباط لقراءتهما لأنجيل عيسى. أي بمعنى آخر أنهما يعملان ما بوسعهما "لتنصير" الأقباط وكأنهم قوم غرباء ولا يتبعون تعاليم عيسى.
وهذا يحدث لكل النصوص، دينية كانت أو دنيوية. الاختلاف هو فقط في التأثير. كلما كان النص ذا علاقة مباشرة بحياة الناس، وكلما زاد أتباع النص عددا، زاد تأثيره في حياة الناس إن سلبا أو إيجابا. والقرآن نص، وشأنه شأن أي نص آخر، رغم قدسيته، يحمل أوجها وقراءات مختلفة. وأصحاب كل قراءة يعتقدون أنهم أصحاب الحق والحقيقة. والتاريخ مملوء بالشواهد. ولكن ما لنا والتاريخ. انظر إلى حال المسلمين اليوم وكيف أن القراءات المختلفة تؤدي إلى سلبيات تتحول أحيانا إلى فتن واقتتال وفتاوى يروح ضحيتها كثير من الأبرياء من المسلمين. وانظر كيف أن القراءات المختلفة تؤدي إلى ظواهر اجتماعية مختلفة. المسلمون من الأكراد والأتراك والهنود وبعض العرب على سبيل المثال لا الحصر يعدّون الاختلاط أمرا طبيعيا لا يناقض قراءتهم للقرآن، فترى النساء والرجال يتشابكون بالأيدي في الرقصات الشعبية، بينما هناك صراع بين القراءات المختلفة وعلاقتها بالاختلاط في دول إسلامية أخرى.
واسم كاتب هذه السطور "ليون برخو" نص يتحمل قراءات مختلفة. كل قراءة لها مؤشراتها المختلفة. من القراء من يقرأ اسمي ويرى أنني كاتب غربي متضلع في الإسلام. وآخرون رأوا في ملامح صورتي أصولا عربية. وآخرون قالوا إنني "آشوري" وأنا لست كذلك. وآخرون بحثوا عني كي يكتشفوا البيئة التي ترعرعت فيها. أطلب من قرائي الأعزاء ألا يستعجلوا الأمور. من واجبي ككاتب أن أكشف لهم البيئة التي نشأت فيها وأثرت في تكويني وثقافتي وتربيتي. نعم، تعود جذوري إلى مدينة الموصل، الحدباء، في شمال العراق. لكن هذه المدينة العربية الإسلامية العريقة، معروفة في التاريخ بأنها مدينة سنية وليست شيعية. ويشهد التاريخ أن سنتها قبلوا التعايش السلمي مع أقلية كبيرة من أتباع عيسى دون حوادث عنيفة تذكر. كيف لا والجميع في هذه المدينة، من السنة والجماعة ومن المسيحيين والطوائف المختلفة الأخرى، لهم فيها شراكة في تراث التوحيد الذي يجمع الأديان السماوية. الكل كانت تزور مراقد الأنبياء – يونس وشيت ويحيي والخضر وإلياس وغيرهم – بغض النظر عن تبعيتها. يا لها من مدينة! تبت يد الذي كان سببا في هدم بنيان التعايش فيها.
وأعدكم بتكملة هذا المشوار في الرسالة المقبلة، وحتى ذلك الحين أستودعكم الله.