صحة عسير ورجل الأمن: عندما نصنع البطالة؟
أعلنت صحة عسير على موقعها الإلكتروني أكثر من 200 وظيفة صحية شاغرة من وظائف التشغيل الذاتي. هناك عدد من الوظائف الصحية والإدارية لكن ما أدهشتني – بل قل حيرني - الشروط الخاصة بالتقدم لوظيفتي المعقب ورجل الأمن، حيث اشترطت الوزارة أن يكون المتقدمون لهاتين الوظيفتين ممن يحملون شهادة الثانوية العامة و(+) الحاسب الآلي مع إجادة اللغة الإنجليزية. ثم أضافت الوزارة شرطا رابعا لوظيفة رجل الأمن وهي خبرة سنتين. (لا... لا عزيزي القارئ) ليست الوظيفة لمدير أمن بل لرجل أمن عادي. والوظيفة لرجل أمن عادي سيقف في مدخل للسيارات أو مدخل المستشفى وسيقوم بأعمال مثل الحراسة وتنظيم دخول أو خروج أو أعمال أخرى من هذا القبيل والمتعلقة بمهام أمنية بسيطة ومحدودة. (لا..لا عزيزي القارئ) ليس المقصود رجل أمن معلومات مثل أمن الأنظمة الإلكترونية أو أنظمة الأجهزة الحاسوبية وأجهزة المعامل المركزية للعيادات والعمليات وهو لن يشرف على عمليات الدخول الإلكترونية غير المصرح بها ولن يمارس مهام برامج الحماية من الفيروسات الإلكترونية والبرامج الجاسوسية ولن يحارب ''الهكرز''. (نعم، نعم عزيزي القارئ) سيعمل رجل الأمن هذا في منطقة عسير وهي مجتمع ممن يتحدثون اللغة العربية البسيطة والدارجة. (نعم .. نعم) هناك لهجات متعددة ولكنها لا ترقى لدرجة عدم القدرة على التفاهم إلا من خلال اللغة الإنجليزية. (نعم، نعم عزيزي القارئ) أنت مثلي في أشد الحيرة من هذه الشروط الغريبة جدا لوظيفتي رجل أمن ومعقب وهل من أعد هذا الإعلان مؤسسة حكومية أم رجل أعمال يتهرب من السعودة ليتبجح غدا أن مخرجات التعليم لا تتواءم مع متطلبات العمل ويا لسوء التعليم العام.
بل إن أكثر ما أثار استيائي في الإعلان هو العبارات التي استخدمت في توصيف الشروط مثل كلمة ''إجادة'' اللغة الإنجليزية. إن معنى ''إجادة'' اللغة الإنجليزية – كما أفهمما – أن المتقدم قد أمضى ما لا يقل عن سنتين في بريطانيا أو الولايات المتحدة حتى ''يجيد'' استخدام اللغة الإنجليزية ولا أعرف هل ستكتفي وزارة الصحة ''بالإجادة'' تحدثا أم ستطلب منه اختبار ''التوفل'' مع درجات عالية في الكتابة وجودة التعبير ولا مانع من مناقشة الأدب الإنجليزي؟ وهل فعلا سنكون سعيدين لمن يجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة والحاسب الآلي ولديه الثانوية العامة أن يعمل في وظيفة رجل أمن فقط؟ هل المطلوب فعلا لهذه الوظيفة رجلا سعوديا ويعمل في السعودية؟
وإذا قبلنا على مضض أن وظيفة رجل الأمن تحتاج إلى ثانوية عامة واللغة الإنجليزية فمن يقنعني أنها تحتاج إلى حاسب آلي؟ ثم أن من أعد شروط التوظيف وضع كلمة حاسب آلي بعد إشارة (+) فهل المقصود من ذلك أن يكون المتقدم حاصلا على رخصة قيادة الحاسب؟ وعند أي مستوى؟ وهل رجل الأمن في حاجة إلى برامج معقدة، أم مجرد عمليات إدخال بيانات وطباعة وغيرها من عمليات الحاسب الآلي البسيطة التي يمكن تدريب أي شخص عليها لفترة بسيطة بينما ليس في حاجة إلى (شرط الحاسب الآلي). واستغرابي هذا يندرج على وظيفة المعقب وهل هو في حاجة إلى الحاسب الآلي؟ فرغم أن عددا من الدوائر الحكومية وخاصة الجوازات بدأت تستخدم أنظمة الحكومة الإلكترونية إلا أن التعامل معها ليس صعبا جدا لدرجة (شرط الحاسب الآلي) وأنه يجب على جميع أفراد المجتمع أن يحصلوا على دورات تدريبية لقيادته. ثم لماذا الخبرة لموظف رجل أمن ولمدة سنتين، بينما الوزارة ليست في حاجة إلى هذا الشرط في وظيفة معقب؟ هل يعقل أن الوزارة ليست في حاجة إلى خبرات لوظيفة معقب والذي يجب أن يكون على اطلاع على اللوائح والأنظمة في الدوائر الحكومية وأساليب التعقيب التي نعرف صعوبتها، بينما هي في حاجة إلى سنتين لوظيفة رجل أمن؟
ليس هذا تقليلا من أهمية رجل الأمن ودوره وليس استخفافا بهذه الوظيفة ولكن هل فعلا اكتفينا لهذه الدرجة؟ من خبراتي أعتقد أن الشركات والدوائر الحكومية تعمد إلى تعقيد شروط الوظيفة لسببين: إما لكثرة المتقدمين لها فيتم تعقيد الشروط لتخيف عدد الطلبات أو أن الوظيفة ''مفصلة'' لمقاس شخص ما. وإذا كانت الوزارة تعاني كثرة المتقدمين لهذه الوظيفة فلماذا؟ وما الأسباب؟ هل هو الراتب والمزايا المغرية، أو أن ذلك انعكاسا لحجم البطالة في البلد؟! وإذا كانت هذه الشروط من جهة حكومية فكيف نلوم القطاع الخاص ورجال الأعمال على طلب ما هو أعجب. هل أقول يا رجال الأعمال لا تثريب عليكم بعد اليوم. هل نحن نصنع البطالة؟ هل هذه هي مخرجات ونتائج الخطة الاستراتيجية للقضاء على البطالة؟ هل فعلا مشكلة البطالة في عدم المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل؟
نعم وأعترف اليوم بأن هناك عدم مواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، لذلك يجب علينا رفع مستويات التعليم في الجامعات لتقوم بتدريس اللغات الحية بكاملها وجميع برامج الحاسب الآلي المتقدمة ويجب على خريج الجامعة ـ السعودي - أن يعمل (مجانا) في الشركات والدوائر الحكومية لمدة تصل إلى خمس سنوات ليحصل على التدريب والخبرة ثم لعل وعسى أن يجد وظيفة رجل أمن فالمتقدمون كُثر.