الويل والثبور لـقطاعات معينة ما لم تغير نفسها!
أثار أحد الإخوة المعلقين على مقال الأسبوع الماضي سؤالا كبيرا، شكل بصراحة مساحة كبيرة من تفكيري طيلة الأسبوع! سؤال يحمل معاني كبيرة! أود بداية إيراد تعليقه كما ورد ثم نتحدث عن الموضوع. يقول الأخ عبد الله إن ''كل دول العالم تسعى إلى حماية قطاعاتها الاقتصادية من الانهيار والركود وعندنا اقتصاديونا ينادون بالويل والثبور لكل قطاع ناجح! كل مستثمر يسمع ما يكتبه محللون اقتصاديون عن قطاع العقار وكل هذا الحقد على من يملك عقارا. ما يجعل الاستثمار في المملكة مخاطرة شديدة جدا. أتحدى أن يوجد عاقل في العالم يتمنى أن ينهار قطاع اقتصادي بأكمله إلا في بلادنا. وعش رجباً ترى عجبا!'' انتهى التعليق كما ورد مع تصحيح لغوي بسيط.
وجاء هذا التعليق على خلفية مقال الأسبوع الماضي الذي جاء تحت عنوان ''هل تتراجع أسعار الأراضي 50 في المائة؟'' فعلا أرى أن استغراب الأخ عبد الله فيه كثير من الواقعية في الحالات الطبيعية. لماذا ننادي بالويل والثبور لكل قطاع ''ناجح'' كما يقول ولنضع خطوطا تحت كلمة ناجح لبعض الوقت؟! لماذا نتمنى أن يتراجع قطاع العقار في المملكة على سبيل المثال 50 في المائة؟ أو كما طالبت في مقال سابق بعدم الثقة بقطاع الإنشاءات والمقاولات؟ نعم لماذا هذا الحقد على قطاع العقار أو المقاولات أو أي قطاع آخر؟ لماذا هناك نظرة سلبية عن قطاعاتنا الاقتصادية؟ ما أسباب الفجوة بين تلك القطاعات والمجتمع؟
بصراحة هذا الموضوع يأخذنا إلى تحليل يجب أن يكون عميقا جدا حول كثير من العناصر التي يجب أن تتوافر لكل قطاع اقتصادي حتى يمكن أن نطلق عليه أنه قطاع ناجح. إذاً، ما عناصر النجاح لكل قطاع؟ هذا أولا. وثانيا علينا أن تكون لدينا معايير لأي قطاع في بيئة اقتصادية حتى يمكن تحليله وقراءته وكذلك تقييم هذا القطاع بشكل علمي ومنهجي. هل النجاح بزيادة أرباح هذا القطاع؟ أم أن هناك أمورا أخرى يجب أن تؤخذ في الاعتبار حتى يمكن إطلاق صفة النجاح؟! والصورة هي مثل الوضع اليوم فيما يخص سعر الحديد الذي يرى كثيرون أنه مؤامرة على الوطن والمواطن، فيما ينسى هؤلاء أن أهم المستفيدين من ارتفاع الأسعار هي شركة سابك التي لو لم تحقق أرباحاً في هذه الحالة لقامت الدنيا ولم تقعد! إذا، هل نتمنى أن ترتفع الأسعار وتستفيد ''سابك'' وغير ''سابك'' من صانعي الحديد؟ أم نتمنى أن تظل الأسعار في مستوياتها المعقولة ويستفيد المواطن وقطاع الإنشاءات حتى إن تأثر صانعو الحديد؟ ما المعادلة التي ترضي جميع الأطراف؟
حتى نعطي إجابة واضحة دعونا نأخذ على سبيل المثال قطاعا رئيسا في المملكة وهو قطاع النفط ممثلا في شركة واحدة تدير هذا القطاع وتملكها الحكومة وهي شركة أرامكو. هذا القطاع الذي يعد المورد الرئيس لإيرادات الدولة وللمواطنين بشكل مباشر وغير مباشر. هذا القطاع الذي يوظف أكثر من 60 ألف مواطن وهو ما يعني أكثر من 60 ألف أسرة تعيش من مداخيلها من هذا القطاع. هذا القطاع الذي نقل التقنية المتعلقة بهذا القطاع للمملكة منذ أكثر من 75 عاماً. هذا القطاع الذي لا يزال يشكل أكثر من 80 في المائة من إيرادات الدولة. هذا القطاع الذي نصلي ليلاً ونهاراً أن يحفظه الله لنا. هذا القطاع الذي يتعامل مع الآلاف من المنشآت على شكل ما يعرف بعلم الاقتصاد بنظام العناقيد clusters system. وهو نظام الشركات والمؤسسات الخاصة التي تعتمد في أعمالها على شركات ضخمة مثل ''أرامكو'' عن طريق عقود التوزيع والتزويد. كم شركة ومؤسسة فردية لم تكن لتؤسس لولا وجود ''أرامكو'' وأعمال ''أرامكو''؟
السؤال هنا: لماذا لا نتمنى أن تتراجع أسعار النفط مثلاً مثلما تمنينا ذلك في قطاع العقار؟ لأن المعادلة هنا عادلة إلى حد ما بين الجهات ذات العلاقة في البيئة الاقتصادية التي يعمل فيها هذا القطاع، أقصد قطاع النفط، وبالتالي لا توجد أصوات تعلو ضد هذا القطاع بشكل مباشر، وإن كانت هناك انتقادات لبعض الجوانب بهدف الإصلاح والتطوير. خذ مثالا آخر وهو قطاع الاتصالات وقطاع المصارف رغم ما يثار عليهما من ملاحظات. لكن لم نلاحظ أن أحدا تمنى أن يتراجع هذا القطاع أو يتضرر! لأنه يخدم الوطن والمواطن! يستفيد ويفيد. فقط موضوع التوظيف أكثر من 100 ألف عائلة مستفيدة من العمل في قطاعي الاتصالات والمصارف. كم في قطاع المقاولات أو العقار؟ وكم نسبة السعودة فيهما مقارنة بالقطاعين المشار إليهما؟
أعتقد أن المثال أعلاه يعطي إجابة للأخ عبد الله ولجميع الإخوة القراء، حول لماذا يتحامل كتاب على قطاع معين ويتمنون له الويل والثبور! على افتراض عدم وجود أجندة شخصية لهذا الكاتب أو غيره! إنه القطاع نفسه وما يقدمه لوطنه ومواطنيه. ولا يوجد حرج من أن يحقق قطاع ما أرباحاً له وللملاك في هذا القطاع، عندما يقدم ما هو متوقع منه ويحقق المعادلة المطلوبة. خذ على سبيل المثال قطاع السيارات, لو قدم هذا القطاع الخدمة والمصداقية التي قدمتها شركات السيارات في العالم المتحضر عندما أخطأت مثلا! هل كان هناك هذا الاحتقان حول وكلاء السيارات في المملكة الذين لم يعلنوا يوماً ما عن خلل في سياراتهم المباعة للمواطنين؟! بل الأمر أسوأ من ذلك فعندما يكون لديك خلل في سيارتك وتكتشفه بنفسك وتطلب إصلاحه فإنهم يحملونك تكاليفه. ولا تقولوا هذا غير صحيح, فهذا حدث معي شخصياً مرتين مع وكيلين مختلفين! والأخبار الأخيرة عن استدعاء بعض الوكلاء موديلات معينة لم ولن تتم طوعاً لولا تدخل وزارة التجارة!
لدينا مشكلة رئيسة نواجهها اليوم جميعاً حكومة ومهتمين حتى مواطنين، وهي أنه خلال فترات التنمية السابقة تكونت لدينا قطاعات مثل القطاع العقاري أو المقاولات، ووكلاء السيارات، وغيرها دون إدراك من أحد دور وأهمية وتكوين تلك القطاعات. اليوم ومع التحديات الاقتصادية التي تواجهها المملكة, وعلى رأسها ضرورة إعادة هيكلة بعض القطاعات الاقتصادية في المملكة حتى يمكن أن تستمر في لعب دورها في التنمية المستدامة. لأنها أولا: أن بعض تلك القطاعات غير قادرة في هيكلها الحالي على أداء الدور المطلوب! ثانياً: ما كان صالحا في أيام التنمية الأولى لم يعد بالإمكان الاستمرار فيه اليوم. فما الذي يعنيني أن يكسب شخص عقاري مليار ريال أو أكثر أو أقل إن كانت مساهمته في تنمية المجتمع صفرا! تحقيق الأرباح الفردية دون أن تكون مرتبطة بالدورة الاقتصادية ومساهمتها في خلق تنمية مستدامة أمر لا يعني أحدا. هل الهيكل الحالي لتلك القطاعات له دور في دفع عجلة التنمية كما يراها المجتمع وأهداف الخطط الخمسية؟ أم أننا في حاجة إلى إعادة بعض القطاعات حتى يمكن أن تقوم بالدور المطلوب منها؟ والله من وراء القصد.