تحويل النحاس إلى ذهب
إبان حملته الانتخابية، أعطى الرئيس الأمريكي أوباما وعودا في إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي. وكان السؤال كيف؟ من الأجوبة تحويل النحاس إلى ذهب. سياسة سير عليها خلال ما مضى من ولاية الرئيس.
كانت الشكوك عميقة عند كثير من السياسيين والاقتصاديين ورجال المال في مدى نجاح الوسائل التقليدية لمعالجة الأزمة المالية الراهنة. هذه الوسائل تدور على السياستين النقدية والمالية (الحكومية).
قال اقتصاديون إن السياسة النقدية لن تكون فعالة، بالقدر المؤمل. اعتمد نمو الاقتصاد الأمريكي لسنين طويلة على توسع الأمريكان في الاقتراض، ذلك لأن الأجور الاسمية والحقيقية لم ترتفع بما يجاري ازدهار الاقتصاد تلك السنوات الماضية، ولذا كان الاقتراض أهم عامل في نمو المستوى الاستهلاكي، وطبعا يشكل الاستهلاك نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي.
نمو الديون فاق نمو الدخل، حيث لم يعد لدى المستهلكين الأمريكيين فرصة لمزيد من الديون. ما فائدة خفض سعر الفائدة، إذا لم يكن بإمكان الناس الاقتراض أكثر لشراء المزيد من السلع والخدمات؟
كانت الإجابة بأنه ليس المطلوب شراء المزيد، ولكن بقاء ما كان.
لننظر في السياسة المالية. أشار بعض مستشاري أوباما (وهم من أنصار المدرسة الكنزية الداعمة بقوة للتدخل الحكومي) إلى مشكلات عميقة، في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. قالوا إن هناك شكوكا قوية في نجاح تحفيز جانب العرض. أما خفض معدل الضريبة الحدي أو الاسترجاع الضريبي فلا فعالية وتأثير لهما.
لتسهيل فهم الإشكال الضريبي، من المعروف في اقتصاد المالية الحكومية أنه يمكن تحقيق الإيرادات الضريبية نفسها من معدل ضريبي عال أو من معدل ضريبي منخفض، سواء في حال نمو الاقتصاد أو انكماشه. (لتسهيل الفهم يمكن مقارنة ذلك بسياسة مبيعات تحقق لمحل تجاري مستوى واحدا من إيرادات المبيعات عبر رفع الأسعار ومبيعات أقل، أو خفض الأسعار ومبيعات أكثر).
ولكن كيف يخفض المعدل الضريبي، وهو أصلا ليس في معدلات مرتفعة. أما الاسترجاع الضريبي, فالغالب أنه لن ينفق لخفض مديونية المستهلكين، أي أنه لن يفيد الدائنين في استرجاع ديونهم، ومن ثم تحسين الحالة الائتمانية في السوق الأمريكية. ماذا بشأن البطالة؟ من الصعب جدا خفضها مع انخفاض الطلب.
ما الحل؟
أقرب ما تبادر إلى الذهن زيادة الإنفاق الحكومي، على أن يوجه، حيث يتركز نفعه على السوق المحلية، وإلا ذهب جله في النهاية إلى جيوب الدول المصدرة لأمريكا. كانت البنية التحتية هي الهدف الأهم حتى يتحقق التركيز السابق، خلاف أنها حقيقة في حاجة إلى تحديث. خذوا مثلا مطار جون كندي في نيويورك، أول ما يراه كثير من المسافرين إلى أمريكا من الشرق الأوسط. لعل كثيرين يوافقونني على قدم ورداءة مباني هذا المطار.
السؤال التالي: من مول ويمول مشاريع البنية التحتية؟ أخذا بعين الاعتبار أيضا وجود عجز كبير في الميزانية، خلاف العجز الكبير في الحساب الجاري.
أمريكا نفسها غير قادرة طبعا، فمعدلات الادخار في أمريكا ولسنوات طويلة إما قريبة جدا من الصفر أو حتى بالسالب. وأزمة الرهن العقاري تخنق الملايين. وهناك بطالة عالية، مقارنة طبعا بالفترات السابقة.
لسنين طويلة اعتمدت الحكومة الأمريكية على الأجانب لتمويل عجز ميزانياتها، وتحديدا الصينيين واليابانيين ودول الخليج. تلك الدول لديها فائض تجاري في معاملاتها مع أمريكا، ويعاد استعمال جزء كبير من الفائض لشراء أوراق حكومية أمريكية، وخاصة أذونات الخزانة.
إلى متى سيستمر الوضع هكذا؟
لن يستمر إلى ما لا نهاية.
ماذا فعلت أمريكا؟ طبع المزيد من النقود، أو بعبارة أدق، خلق (صناعة) مزيد من النقود.
وحقيقة باعت الحكومة الأمريكية أوراقا مالية بتريليونات (آلاف المليارات) الدولارات بمعدلات فائدة منخفضة لإسعاف نظامها المالي، وفق وصفة كنزية محدثة – كينز عالم الاقتصاد البريطاني المشهور. وخفض الفائدة سياسة سار عليها الاحتياطي الفيدرالي بسرعة منذ ظهور الأزمة الخريف قبل الماضي للحد من وقوع الاقتصاد في انكماش (عكس التضخم).
لماذا هذه القوة في الطلب على أوراق الخزانة الأمريكية؟ لأن الدولار ما زال عملة الاحتياط الأولى، والثقة بأوراق الحكومة الأمريكية ونظامها السياسي لم يهتزا، وطبعا تسهم الأموال المدفوعة مقابل شراء تلك الأوراق تسهم في تمويل مغامرات أمريكا وعملياتها العسكرية في العالم.
كما زاد رصيد الاحتياطي الفيدرالي بمئات المليارات في عمق الأزمة. ويبدو أن الاحتياطي يصنع النقود بكميات هائلة جدا، ولكن بتكلفة (إنتاج) منخفضة جدا. وهذا يذكرنا بحكاية تحويل النحاس إلى ذهب، لو كان ذلك ممكنا.
أتعرفون الحكاية؟ شاع في القديم أن المشتغلين بالكيمياء (الكيماوية) يحاولون تحويل النحاس إلى ذهب، بالغش والخداع، ولهذا حرم فقهاء الكيمياء في وقتهم (محاولة تحويل النحاس إلى ذهب)، قال الإمام ابن تيمية في فتاواه تحت باب الحسبة: "ومن هؤلاء (الكيماوية) الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك فيصنعون ذهبا أو فضة ...، وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدورة لبني آدم أن يصنعوها، لكنهم يشبهون على سبيل الغش. وهذا حقيقة الكيمياء".
كثيرون يرون أن الأزمة المالية وتداعياتها عملت وتعمل على الحد من نفوذ أمريكا، ولكن آخرين يرون أن أمريكا تلعب لعبتها لتستفيد من الأزمة، والكلام السابق يعطي طرفا من توضيح الأمر. وبالله التوفيق،،،