رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل تبادر جامعة الملك سعود بإنشاء كلية للدراسات الحكومية؟

جوهر الإدارة صناعة القرار، وعليه فإن قياس كفاءة النظام الإداري الحكومي وفاعليته تعتمد إلى حد كبير على كفاءة وفاعلية صنع القرار العام أي الأسلوب والإجراء الذي يتوصل فيه المجتمع إلى القرار الجماعي أي الاختيار بين البدائل المتاحة سواء في نوعية السلع أو الخدمات المطلوب تقديمها أو الموارد ووسيلة الإنتاج المستخدمة أو في تحديد المستفيد منها. والمقصود بالقرار الجماعي أو العام تلك القرارات التي تتعلق بتحقيق الحاجات العامة ومصالح المجتمع الكلية. وهذه المصالح العامة منافع مشتركة لا يمكن إدراكها أو تحقيقها إلا من خلال الفعل الجماعي والنظرة المشتركة. أي أنها قرارات ترتبط بالاستهلاك الجماعي وليس الفردي، فالطريق العام على سبيل المثال خدمة مشاعة للجميع ولا يمكن استثناء أحد من استخدامه وهكذا جميع تلك الخدمات التي تقتضي اشتراك جميع أو معظم أفراد المجتمع في استهلاكها وبالتالي تتطلب شراءها جماعيا أي عن طريق السلطة العامة (الحكومة) وليس فرديا. وقد يتصور البعض أن القطاع الخاص قادر على توفير مثل هذه السلع والخدمات العامة بحكم أن هناك مقاولين يقومون بعملية إنتاجها، وهنا يلزم التمييز بين قرار التمويل وقرار الإنتاج. فإنتاجها من قبل القطاع الخاص لا يلغي ضرورة وحتمية تمويلها تمويلا عاما. ولذا يكون الأصل في القرار لهذه المشاريع العامة قرارا جماعيا وليس خاصا، ولكن متى ما أقرت فإنه يمكن تنفيذها عبر عقود مع مؤسسات خاصة. والعلة في ذلك أن منافعها وتأثيراتها الإيجابية تطول الجميع ولا يمكن حصرها على أحد أو فئة في المجتمع دون الآخرين، وبالتالي لا يمكن تقديمها مباشرة عن طريق السوق. فالفرد لا يستطيع أن يبني شبكة طرق المدينة أو شبكة الصرف الصحي, ففضلا عن أنها باهظة التكلفة إلا أن حجمها وطريقة استخدامها يستلزم بل يتحتم أن يكون جماعيا.
دور الإدارة العامة (الحكومية) لا يتوقف عند توفير السلع وإنما القيام بأدوار حيوية أخرى مثل بسط الأمن ووضع التنظيمات والمعايير الصحية والسلامة العامة وضبط وإدارة تذبذبات السوق وتحقيق العدالة الاجتماعية عبر إعادة توزيع الدخل ومحاربة الاحتكار. والمهم أن القطاع الحكومي هو من يقود التنمية الاقتصادية والاجتماعية حتى وإن توهم البعض وغرهم بريق القطاع الخاص بكفاءته وفاعليته واستجابته السريعة لمتطلبات المجتمع، فالإدارة الحكومية هي من ترسم المستقبل وتضع الأطر العامة لمسيرة التنمية وتصوغ القوانين وتسن التشريعات التي تقود وتوجه نحو الأهداف الوطنية الاستراتيجية وتحقق الرفاهية الاجتماعية. ولذا تكون الإدارة العامة قدرا محتوما على جميع المجتمعات لا مناص منها حتى في تلك الدول التي هي مهد الرأسمالية ويقوم اقتصادها على السوق مثل الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا. ولكن لماذا القول إنها قدر محتوم وما الضير أن تقوم الإدارات العامة بتوفير الخدمات العامة. الحقيقة أن المنظمات الحكومية تختلف عن منظمات القطاع الخاص، فطبيعة القرار العام بطيئة تتم عبر إجراءات مطولة، كما أنه يطبق بالتساوي على الجميع على الرغم من تفاوت الأذواق والرغبات في المجتمع. وهذا بالضبط ما يجعل هناك حالة مستمرة من عدم الرضا عن الأداء الحكومي عند العموم، إذ إنه من المستحيل تحقيق رغبات الأفراد المتباينة في القرار العام، وربما تولد إحساس عند البعض بأن تكاليف الخدمات الحكومية غير مبررة إذ إنها تارة توفر بكميات أكثر من المطلوب، ومرات أخرى أقل من المطلوب، أو أنها لا تكون مطلوبة أصلا. وما يزيد معاناة العموم مع الإدارات الحكومية البطء في الاستجابة لمتطلباتهم والتعامل الجاف من منطلق احتكاري يشوبه شيء من اللامبالاة، ويضاف إلى ذلك أن تطبيق الأنظمة في الدول النامية يكون اختياريا تجريديا يعتمد على العلاقات الشخصية دون ربطه بالمقاصد التي وضع من أجلها, فتارة يكون سيفا مسلطا وعقبة كؤودا وتارة أخرى تقدم الخدمة على طبق من ذهب بكل سهولة ويسر.
الإدارة العامة إذاً محور التنمية الوطنية وكيفما تكون، تكون التنمية. هذه حقيقة قد تغيب في خضم التوجه نحو الخصخصة والاندفاع في منح القطاع الخاص دورا أكبر في الاقتصاد الوطني. إلا أنه لا سبيل إلى النهوض والتحليق لمستويات أعلى من التحضر الاجتماعي والتقدم الصناعي والتطور الاقتصادي بجناح واحد، فالأمر يستلزم تطوير القطاعين الخاص والعام وليس أحدهما على حساب الآخر، بل إن تطوير القطاع العام يحتل الأولوية كونه متطلبا لتطوير القطاع الخاص، فالأنظمة والقرارات العامة هي الإطار الذي تعمل من خلاله المؤسسات الخاصة, وبناء على كفاءة هذه الأنظمة وفاعليتها يكون أداء الاقتصاد. إلا أنه مع الأسف الشديد نلحظ تراجعا في تطوير تخصص الإدارة العامة الجسم المعرفي المسؤول عن تطوير الإدارة الحكومية. فبدلا من أن تتحول أقسام الإدارة العامة إلى كليات للدراسات الحكومية نراها وقد ضمت تحت كليات إدارة الأعمال لتكون تخصصات مساندة وليست رئيسية. الإشكالية في ضبابية أهمية تخصص الإدارة العامة بسبب الأزمة الإدارية الحكومية وهي عدم تطبيق المعايير والمفاهيم والسلوكيات المهنية في مكان العمل. هذه الإشكالية تعوق مشروعنا التنموي الإصلاحي الذي يقوده الملك عبد الله وهو أمر أشار إليه - يحفظه الله - في أكثر من مناسبة بأنه لم يعد هناك عذر للوزارات في تنفيذ مشاريعها في ظل الدعم المعنوي والمالي للقيادة السياسية. ولكن تظل الأجهزة الحكومية غير قادرة على الاستجابة لتطلعات القيادة والعموم بالكفاءة والفاعلية المطلوبة. إن تطوير الإدارة الحكومية لم يعد متعلقا بالتنمية الاقتصادية وحسب ولكن يمس الأمن الوطني والقدرة في العبور إلى المستقبل وفتح آفاق أوسع وأرحب في التنمية الاجتماعية ورفع قدرة المجتمع في التصدي للتحديات واغتنام الفرص واستثمارها. الوضع الإداري الحكومي يحتم إنشاء كلية متخصصة في الدراسات الحكومية تسهم في التنمية الإدارية وترتقي بالأداء الحكومي دراسة واستشارة وبحثا وتوثيقا وتعليما وبناء للنموذج الإداري السعودي. وقد يكون من الخطأ الفادح الخلط بين مهام وأدوار مثل هذه الكلية ومعهد تدريبي كمعهد الإدارة العامة. فالتدريب يكون موجها لإكساب الشخص مهارة محددة لتنفيذ مهمة بعينها، لكن هذا لا يغني عن التطوير الشخصي للقيادات وموظفي الخدمة المدنية الذي هو مهمة التعليم الأكاديمي. التطوير الإداري يجب ألا يختزل في تنفيذ مهام إدارية محددة وإنما يتعداها إلى تطوير النظم وبيئة العمل ورسم الاستراتيجيات الوطنية والارتقاء بالسياسات العامة ورصد توجهات الرأي العام وتوثيق التجربة الإدارية ونشر الوعي والثقافة الإدارية.
المكان الأنسب لإنشاء كلية للدراسات الحكومية هو جامعة الملك سعود كونها تحتضن أول قسم للإدارة العامة في السعودية والوحيد الذي يقدم برنامجي الماجستير والدكتوراه في تخصص الإدارة العامة. كما أن الجامعة تعيش حراكا ونشاطا وتطورا لافتا للنظر يقوده مديرها المبدع الدكتور عبد الله العثمان استطاع أن يوجد بيئة جديدة ويقدم ثقافة تنظيمية تعتمد على الشفافية والمهنية والإبداع والبحث عن الأفضل وتحويل الجامعة إلى مؤسسة لها قيمتها الاجتماعية وإسهامات واضحة على الصعيد الوطني. ومن هنا قد تكون الكلية المقترحة إضافة مميزة إلى حزمة المشاريع والبرامج التطويرية التي تزخر بها جامعة الملك سعود العريقة بتاريخها, المتجددة بإنجازاتها. الكلية ستكون نقطة تحول في التنمية الإدارية, فهل ستكون انطلاقتها من جامعة الملك سعود؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي