زيارات الطلاب للجامعات الدولية وبناء جسور المعرفة
منذ أكثر من عامين وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن تعمل على برنامج زيارات للطلاب المتميزين لدول مختلفة في العالم في الشرق والغرب, مثل: كندا, بريطانيا, فرنسا, إسبانيا, ألمانيا, النمسا, ماليزيا, الهند, كوريا الجنوبية, الصين، وغيرها من الدول المتقدمة على المستوى العلمي أو البحثي أو الصناعي. وذلك في فترات الإجازة سواء الصيفية أو نصف السنوية.
هذه الزيارات تضم نخبة من المتميزين في الجامعة سواء أكاديميا أو على مستوى المشاركة في الأنشطة الطلابية، من مختلف الأقسام الأكاديمية مثل الهندسية والحاسب الآلي والإدارة والعلوم. وكنت من ضمن الوفد الطلابي الزائر لألمانيا, وشرفت بصحبة مجموعة متميزة من الطلاب ليس فقط على المستوى الأكاديمي، بل على مستوى الأخلاق والقيم والدين والانتماء إلى هذا الوطن المعطاء والرغبة في العمل لما يحقق التطور والتقدم.
وتهدف هذه الزيارات إلى التواصل والمعرفة بما توصل إليه العالم من منجزات، حيث تتم زيارة جامعات بارزة, وفي زيارة ألمانيا على سبيل المثال, تمت زيارة بعض الجامعات ومعاهد البحوث مثل مركز التعليم الإلكتروني في جامعة برلين الحرة، ومركز بحوث الرياضيات, الذي يركز على أبحاث الرياضيات التطبيقية، ومركز فرانهوفر. كما تمت زيارة عدد من المصانع مثل مصنع سيمنز للمعدات الثقيلة، ومتحف مصنع سيارات مرسيدس بنز ومتحف مصنع بي إم دبليو، ومصنع يختص بالطاقة الشمسية ما يسمى الطاقة المتجددة أو النظيفة.
كما شملت الزيارة سفارة السعودية، خصوصا الملحقية الثقافية في برلين، وأكاديمية الملك فهد في بون، والحقيقة أننا تلقينا منهم كل حفاوة وترحيب وعناية واهتمام.
وهذا المقال ليس عبارة عن سرد لعبارات التمجيد للمستوى الذي وصل إليه الغرب، وكيف تميزت هذه الحضارة عبر السنين الماضية، كما أنها ليس عبارة عن جلد للذات، وتفنن في نقد المجتمع العربي والمجتمع في المملكة على وجه الخصوص. بل أعتقد أن المجتمعات الغربية لديها مستوى متقدم فيما يتعلق بالصناعة، ولدينا ما يميزنا في نواح كثيرة من الحياة، كما أن لدينا البيئة المناسبة والفرصة للاستفادة من الحضارات الأخرى، وأن نتقدم على المستويين الصناعي والتقني، إذا كانت هناك قناعة عامة بأهمية ذلك, والعمل بخطوات لتحقيق هذا الهدف، ولسنا أقل من دول كثيرة في العالم استطاعت في فترة وجيزة استغلال مواردها البشرية والطبيعية لتنافس الدول المتقدمة.
لكن في هذا المقال أود أن أعرض لبعض الفوائد من هذه الزيارة، وانعكاسها على شريحة مهمة من المجتمع, وهم طلبة الجامعات وقيادات المستقبل.
الزيارات المتبادلة عموما بين الدول وسيلة لتقوية أواصر التعاون والمنفعة المتبادلة، وهذه في الغالب مهمة ساسة الدول. لكن تبادل هذه الزيارات على مستويات أخرى له أثر مهم، وهو الالتقاء بفئة هي ليست من فئة السياسيين بل من عامة المجتمع، ما يعكس انطباعات لدى المواطن في تلك الدول ربما لا يستطيع السياسي إيصالها بعديد من الزيارات. لعل من ضمن الأمثلة أن أحد الموظفين في الملحقية الثقافية في برلين ذكر لنا أن واحدا من المراكز البحثية الموجودة في ألمانيا كان يرفض التعاون مع المملكة نظرا لأن أحد المسؤولين فيها لديه موقف من قضية مجتمعية مرتبطة بالمملكة، وبعد زيارة وفد طلابي من جامعة الملك فهد قبل سنتين ورؤية المستوى العالي الذي يتمتع به طالب الجامعة في المملكة أصبحت لديهم رغبة ملحة للتعاون، وترتب على ذلك استمرار للتواصل على مستوى عال.
من فوائد هذه الزيارات أن هؤلاء الطلاب المتميزين اطلعوا فعلا على أمثلة من مظاهر التطور التقني والصناعي ما ولد لديهم الرغبة الملحة لتحقيق هذه الإنجازات. خصوصا أن هذه الصناعات بدأت بأدوات بسيطة جدا ثم تطورت إلى أن وصلت صناعات مثل سيارات مرسيدس بنز أو بي إم دبليو لهذا المستوى العال من الجودة.
لا يجب الاعتماد على حضارة واحدة أو دول محدودة كاستراتيجية للتعاون والاستفادة مستقبلا, فكثير من الدول حول العالم لديها الكثير لتقدمه إلى العالم, خصوصا أن العلاقات السياسية بالدول لا تبقى دائما على مستوى واحد, بل ربما يحصل فيها المد والجزر، ولا حظنا في سياسة المملكة, خصوصا في الابتعاث في الفترة الأخيرة, أن هناك نوعا من التنوع الذي يعطي لها فرصا أكبر للتواصل مع العالم.
إننا على المستوى التعليمي ـ مع الأسف ـ ليس لدينا العناية والاهتمام باللغات المختلفة العالمية، فرغم أن اللغة الألمانية لها انتشار على مستوى أوروبا, فإني بحسب خبرتي المحدودة, لا أعرف أن عددا من المواطنين يتحدث بها بطلاقة، ويقاس على ذلك لغات أخرى تعد عالمية أكثر مثل الفرنسية والإسبانية، بل ربما تجد أن موظفا في بعض المؤسسات الحكومية في الخارج لا يتقن لغة البلد الذي يعمل فيه، وهذا يصنع نوعا من الفجوة مع تلك المجتمعات. إن اللغة الإنجليزية لغة مهمة اليوم، فرغم ما كان شائعا لدي أن المجتمع الألماني يرفض الحديث والتواصل بغير الألمانية، وجدت أن من يعرف اللغة الإنجليزية ولو بشيء من الركاكة، لا يمانع إطلاقا بالحديث بها، والتواصل مع الغير. مع أني أعتقد أن اللغة العربية جزء من هويتنا كمجتمع لا بد من تعزيز تعلمها ونشرها، وترجمة العلوم إليها.
الخلاصة أن هذه الزيارات لها عديد من الفوائد التي لم أكن أتوقعها لحظة اختياري من الجامعة للمشاركة فيها، ويبقى أنه من المهم ضبطها بحيث لا تكون لها آثار سلبية، ولاحظت أن الآلية التي تعمل عليها الجامعة، تتطور لتعظيم الاستفادة من هذه الزيارات، والحد بشكل كبير من أي سلبيات يمكن أن تنشأ منها.
د. صلاح بن فهد الشلهوب
مدير مركز التميز للدراسات المصرفية والتمويل الإسلامي في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن
[email protected]