عندما يقع الفكر الدنيوي أو الديني ضحية سلطة المؤسسة
لو عدنا إلى الجذور! هذا ما يطلبه الناس عند تلمسهم أن الواقع المفروض عليهم شيء وجوهر الفكر الذي يتبعونه شيء آخر. لماذا تتغير الأفكار التي يأتي بها العظماء نحو الأسوأ؟ هناك أجوبة متعددة تختلف باختلاف الموقع والتموضع الذي يتخذه الأفراد. ولنأخذ الفكر الماركسي الدنيوي مثالا.
ربما لا يختلف اثنان أن الماركسية انهارت كتجربة حياة أمام ضغط الرأسمالية. وإن سألت الماركسيين عن السبب، قالوا: إن الشيوعية التي اتخذت فكر ماركس نبراسا زاغت عنه وحدث ما حدث. أي بمعنى آخر أن الشيوعية كنظام أو مؤسسة حكم خطفت الماركسية واستغلتها لمآرب غير التي أتى بها صاحبها. واليوم ينعى الكثيرون الشيوعية، بيد أن الإنصاف يدعونا إلى القول إن الفلسفة والفكر اللذين أتى بهما ماركس لا يزالان قائمين. ولا أعلم ماذا سيكون ردّ قرائي الأعزاء إن قلت لهم إننا في الغرب الرأسمالي بدأنا نكتشف ماركس من جديد ولا سيما في العالم الأكاديمي وفي الولايات المتحدة بالذات. يقدم لنا ماركس رؤى جديرة بالملاحظة والمتابعة والتدريس عن دور الإعلام والمال في العالم الغربي. وعندما هبّت على العالم عاصفة الأزمة المالية في 2008 هرع المختصون من السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين إلى قراءة ماركس من جديد وصار كتابه «رأس المال» على رأس قائمة مبيعات الكتب في الغرب.
ما حدث لماركس قد يحدث لأي مفكر آخر عندما تقع آراؤه ومبادئه ضحية سلطة المؤسسة التي تدّعي تبنيها له. المؤسسة خطر كبير على الفكر السليم، إن كان دينيا أو دنيويا. لماذا؟ لأن المؤسسة تستجيب أولا لمطالب الأشخاص الذين يقودونها. تصبح إرادة قادة المؤسسة فوق الفكر أو الفلسفة التي تدّعي أنها تمثلها. كيف يحدث ذلك؟ نحن لسنا أنبياء. كبشر، لنا مصالح ومطامح شخصية وغيرها. عندما نتربع على السلطة، نقود الذين حولنا وأنفسنا بما يرضي مآربنا الشخصية. وكذلك نحمّل النص أو النصوص التي نؤمن بها، دينية أو دنيوية، أوجها ترضي مطامحنا. والسلطة تمنحنا المال الذي نستخدمه لكسب المنظّرين والمفسّرين للنصوص هذه كي لا يأتوا بما لا نرغب فيه. وفي العربية هناك مصطلح يعكس هذه الظاهرة وهو «وعّاظ السلاطين». قد يسأل القارئ عن العلاقة بين هذه المقدمة وما وعدناهم في الرسالة السابقة؟ الرابط واضح في رأيي وضوح الشمس. أكبر مؤسسة في الدنيا هي مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية. كل فكر أو دين يتحول إلى مؤسسة تغلبه وتبزه سلطة المؤسسة. لا فرق إن كان دينا سماويا أم لا. انظر إلى مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية، على سبيل المثال ما تراه بالعين المجردة من خلال الصور الثابتة والمتحركة وما تقرأه لا يمت بصلة مباشرة إلى أناجيل عيسى. ما يبهرنا هو الطقوس من الأزياء والأردية المزركشة والصلبان الذهبية والأيقونات. كل مؤسسة تعمل وتشتغل وتنتظم وتنظم نفسها على شكل هرم وطبقات. وكل طبقة لها ما لها من الامتيازات والصلاحيات منها ما صار بمثابة الأساس الذي بدونه تنهار المؤسسة. والنصوص رغم سهولة فهمها وتفسيرها تصبح حكرا على المؤسسة. هي التي تفقهها وهي التي تفسّرها وهي التي تفرض تطبيقها. وتقدم المؤسسة ذاتها لمنتسبيها والعالم أجمع على أنها صاحبة المعرفة إضافة إلى السلطة، وأن معرفتها مطلقة لا يجوز حتى مجادلتها عليها. وإن حدث أن خرج أحد منتسبيها عن إطار معرفتها، شهرت في وجهه سلاح الحرمان والفصل.
وهكذا عندما واجه العالم مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية بمسائل تخص التحرش الجنسي بالأطفال من قبل كهنتها، تعاملت مع القضية وكأن سلطتها ومعرفتها ما زالت فوق الكل وأن تفسيرها وقراءتها للنصوص يمثلان التفسير والقراءة الصحيحة والقراءات والتفاسير الأخرى غير صحيحة. نسيت أن الزمان والمكان قد طرأ عليهما تغيير جذري وأن النص الواحد يحتمل قراءات مختلفة وتفسيرات مختلفة.
وما ينطبق على مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية ينطبق على أي دين آخر إن تحول إلى مؤسسة. والإنصاف يدعونا إلى القول إن المؤسسة خطر على الإسلام كدين أيضا. هناك بوادر واضحة اليوم لتحويل الإسلام إلى مؤسسة هرمية يقودها شخص أو أشخاص يعتقدون أنهم يملكون السلطة والمعرفة وما على غيرهم إلا الانصياع. وهناك ظواهر لتمييز أصحاب المؤسسة عن بقية الناس من خلال اللباس والامتيازات ومراضاة السلاطين وإن كان سراطهم غير مستقيم.
وإلى اللقاء،،،،،