هل تشتعل الحرب التجارية بين أمريكا والصين.. من المتضرر من الحرب؟ (4 من 5)
من المتضرر من الحرب التجارية إذا اشتعلت بين الدولتين؟ حقيقة الأمر أن الوضع الحالي للصين في غاية الحساسية, ذلك أن طريقة تقييم اليوان أدت إلى رفع درجة سخونة الاقتصاد الصيني، الأمر الذي جعل الصين اليوم أكثر عرضة من أي وقت مضى لتوابع سياساتها الحمائية، حيث أصبح من الصعب جدا في الوقت الحالي على الحكومة الصينية أن تمس اليوان برفع قيمته لعدة أسباب أهمها أنه سيؤدي إلى تراجع في صادراتها نظرا لتأثيره السلبي على تنافسيتها، من ناحية أخرى، فإن رفع قيمة اليوان بالنسبة للدولار سيترتب عليه انخفاض القيمة الحقيقية لاحتياطياتها الدولارية الضخمة وأصولها الخارجية المستثمرة في السندات الأمريكية بنسبة الرفع لليوان نفسه. على سبيل المثال إذا تصورنا أن المواجهة قد ترتب عليها رفع قيمة اليوان بنسبة 20 في المائة، وهو الحد الأدنى لانخفاض قيمة اليوان بالنسبة للدولار، وفقا لمعهد بيترسون، فإن ذلك سيعني خسارة الصين لنحو 500 مليار دولار من أصولها الاحتياطية الدولارية في يوم واحد، وهو ما جمعته الصين خلال سنوات من الكد والتعب. من المؤكد أيضا أنه إذا تم رفع قيمة اليوان فإن الكثير من الصينيين سيفقدون وظائفهم نتيجة لأثر الرفع على الصادرات الصينية للعالم، وهناك بعض التقديرات التي تشير إلى أنه ربما تخسر الصين نحو خمسة ملايين وظيفة، تضاف هذه الوظائف إلى نحو 20 مليون وظيفة تم خسارتها بسبب الأزمة المالية.
في رد فعل يمثل تحديا للجانب الأمريكي أعلن وزير التجارة الصيني أن الولايات المتحدة هي الخاسر الأكبر في حال اشتعلت الحرب التجارية بين الدولتين وقامت الولايات المتحدة بفرض ضرائب جمركية انتقائية على الصين، حيث سيصبح من المستحيل على الصين ألا تدرس الرد على الإجراءات الأمريكية من جانب واحد، صحيح أن الصين ستضار، ولكن المواطن الأمريكي والشركات الأمريكية العاملة في الصين هي التي ستخسر بصورة أكبر. فإذا ما قامت الولايات المتحدة بفرض ضرائب على الصين فإن الشركات الأمريكية العاملة في الصين والمسؤولة عن نحو 60 في المائة من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة ستتعرض لإجراءات انتقامية من الجانب الصيني، وستكون كبش الفداء في هذه الحرب، ومن ناحيتها أيضا دعت الصين الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات أن تمارس ضغوطا على إدارة الرئيس أوباما لوقف الاتجاهات الحمائية ضدها على أمل أن تتمكن تلك الشركات من تغيير رأي الإدارة الأمريكية والسماح بتدفقات التجارة بين الدولتين من دون إجراءات حمائية.
الصين أيضا يمكن أن ترد على الولايات المتحدة بتقليل مشترياتها من السندات الأمريكية، ولكن فاعلية هذا الخيار تعد محدودة، لأن الصين في حاجة إلى استثمار فوائضها، وبما أن فوائضها دولارية أساسا فليس هناك خيار آخر أمامها سوى استثمار هذه الفوائض في أدوات الدين الأمريكية، فما الذي تستطيع الصين شراءه بتلك الفوائض الضخمة.
الصين ترفض الادعاء بأن انخفاض قيمة اليوان هو السبب في الخلل التجاري بين الدولتين وتحمل السياسات الأمريكية مسؤولية هذا الخلل الشديد في الميزان التجاري وذلك بسبب استمرار إصرار الولايات المتحدة على فرض حظر على الصادرات الأمريكية عالية التقنية إلى الصين مثل الحواسيب العملاقة والأقمار الصناعية .. إلخ. فمنذ حادثة "تيانانمن سكوير" في 1989، حيث قمعت السلطات الصينية مظاهرات الطلبة، قامت الولايات المتحدة بفرض بعض القيود على صادراتها إلى الصين ومنها المنتجات العالية التقنية، ومن وجهة النظر الصينية من الأفضل للولايات المتحدة أن تقوم بإرخاء القيود على هذه الصادرات للصين التي من الممكن أن تشجع الصادرات الأمريكية إليها وتخفض من العجز التجاري بينهما، ولذلك ترى الصين أنه كان الأولى بالولايات المتحدة عندما تتحدث عن نظام تجاري حر أن تطبق مبادئ هذا النظام أولا على نفسها، وأنه إذا ما رغبت الولايات المتحدة أن تناقش قضية معدل الصرف للعملة الصينية فعليها أن تقوم بذلك في إطار نظام تجاري حر، أي في إطار ذلك النظام الذي يسمح للولايات المتحدة أن تبيع ما تشاء إلى الصين، وأن تشتري الصين ما تشاء من الولايات المتحدة، وأن الميزان التجاري بين الدولتين غير متعادل بسبب السياسات الأمريكية وليس السياسات الصينية.
الصين تؤكد مرارا أن رفع قيمة اليوان أمر قادم لا محالة، وأن هذا اليوم لن يكون قبل أن يتعافى الاقتصاد الصيني ويقف على قدميه مرة أخرى، حيث هناك مخاطر حقيقية لاحتمال حدوث تدفقات ضخمة لرؤوس الأموال الساخنة إلى الصين مع أي إعلان لرفع قيمة اليوان، جانب كبير من هذه الأموال سيستهدف المضاربة على اليوان الصيني، وهو ما يستدعي استراتيجية خاصة من قبل الصين للتعامل مع كيفية الرفع لتجنب هجمات صناديق المضاربة، وذلك ربما من خلال رفع اليوان سهوا ودون مقدمات وعلى فترات أطول من الزمن لتضيع فيها فرصة تحقيق أرباح من المضاربة على اليوان، ولتجنب سوق النقد الأجنبي فيها للاضطرابات التي يمكن أن تحدثها التدفقات السريعة لأموال المضاربة على اليوان. من ناحية أخرى، تدعي الصين أنها يجب أن تتأكد من أن حجم التجارة بينها وبين الدول الفقيرة مناسب ولن يتأثر برفع اليوان، لأن هذه الدول هي الأكثر عرضة للتأثر بسبب رفع اليوان، وليس الولايات المتحدة أو أوروبا. المشكلة هي أن الولايات المتحدة لديها شكوك في درجة صدق الصين على الإقدام على اتخاذ هذه الخطوة من ناحية، وترى أن هذه الخطوة لا بد أن تتخذ الآن، من ناحية أخرى.
لا أعتقد أن الحرب التجارية سيكون فيها طرف ما رابح على حساب الطرف الآخر فكلا الطرفان سيخسر بشكل صاف. وأعتقد أن التحرك الأمريكي من جانب واحد لبذل المساعي المناسبة للوصول إلى حل وسط مع الصين ربما يجنب الدولتين والعالم الكثير من الخسائر، وذلك عندما تتعقد الأوضاع ويخرج النظام عن نطاق السيطرة بما قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية العالمية في ظروف الأزمة، بصفة خاصة في آسيا حيث أصبحت التجارة البينية الآسيوية ترتكز أساسا على الصين. على الولايات المتحدة إذن التوصل إلى حل وسط مع الصين وإقناع الصين بأن من مصلحتها أن تقوم بالسماح لليوان بأن ترتفع قيمته وهي الخطوة التي يعتقد أنها ستشجع الاستهلاك في الصين وتعمل على خفض درجة اعتماد اقتصادها على المستهلكين الأمريكيين. فإذا فشلت المقاربات الثنائية، فإنه من الأفضل أن تتخلى الولايات المتحدة عن سياسة الضغط الثنائي على الصين، وأن تلجأ إلى الآليات متعددة الأطراف من خلال المنظمات الدولية مثل صندوق النقد الدولي أو مجموعة العشرين لتحفيز الصين على رفع قيمة عملتها، فالحماية يجب ألا تقابل بإجراءات حمائية، لأنها تعمق الاتجاه نحو انتشار الحماية التجارية في عالم يتخلص تدريجيا منها.
تنبغي الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الموضوع قد يبدو وكأنه قضية اقتصادية بحتة، إلا أن رائحة السياسة تفوح من بين ملفات القضية، فهناك خلفيات أخرى ساعدت في تحريك الملف التجاري مع الصين، على سبيل المثال هناك امتعاض من قبل الولايات المتحدة بسبب الموقف غير المتشدد للصين في فرض عقوبات أشد على إيران فيما يتعلق بملفها النووي، كذلك عارضت الصين المبادرات الأمريكية حول سياسة التغير المناخي، مما أثر بشكل كبير على الاجتماع الذي تم في كوبنهاجن. الصين إذن ليست كغيرها من الدول، فهي لا تسير في الحذاء الأمريكي، وهذا ما يغيظ صانع السياسة الأمريكي، وأعتقد أنه لو أبدت الصين بعض التنازل في مواقفها من القضايا الساخنة التي تهم الإدارة الأمريكية، فإن الحديث عن تقييم اليوان ستخف حدته بصورة كبيرة، الأمر يتطلب إذن بعض الدبلوماسية من الصين، وهي لا تعدمها. الاحتمال الأكبر هو أن تلجأ الحكومتان إلى الوسائل الدبلوماسية في التعامل مع القضية بصورة أكثر ليونة، وهو ما يعني ضمناً أن سياسة اليوان الرخيص ستستمر لفترة زمنية مقبلة في المستقبل.
وفي رأيي أنه على الرغم من التهديد الأمريكي بشن حرب تجارية على الصين إلا أن الأوراق الأمريكية للتعامل مع السلاح التجاري الصيني ربما تبدو محدودة، وأن جانبا من قواعد اللعبة يقع أيضا تحت سيطرة صانع السياسة الصيني، وأن الأمر ربما يقتضي قدرا أكبر من الليونة من قبل صانع السياسة الأمريكي في التعامل مع الصين التي أصبحت اليوم أكبر من أن يوجه إليها أوامر من حكومة أجنبية. ولكن ما الخلاصات التي يمكن استنباطها مما يحدث هذا هو موضوع الجزء الأخير من هذا المقال.