دعوة لحب «الحشرات»!
كثيرة هي الأشياء التي نعتقد أننا إذا عملناها نكون شعبا متقدما وراقيا، أحد هذه الأشياء الخوف «أو ادعاء الخوف» من الحشرات، حتى المسالمة منها، وتخويف أبنائنا منها، ما أفقدهم وأفقدنا فرصة الاطلاع على هذا العالم المذهل في كل شيء، بدءا من شكل الحشرة وتركيبها إلى أدق عمل تقوم به، الشعوب المتقدمة تشجع أبناءها على اقتناء الحشرات وتربيتها ومراقبة سلوكها, أما أبناؤنا فلا يعرفون الحشرات إلا عبر صورها في الكتب، ولو اجتهد أحدهم وبحث عنها في الشبكة العنكبوتية (هذه التسمية إحدى فوائد الحشرات) ستجد من يوبخه على هذه الصور المقززة في نظره, ولو أعطى نفسه فرصة للنظر لرأى عجائب صنع الله في هذه الكائنات التي تشكل بأنواعها الأكثر من مليون، 90 في المائة من مختلف أشكال الحياة على الأرض التي وجدت قبل 435 مليون سنة. الخنافس تمثل أكبر مجموعة من الحشرات ربما لأنها تستطيع التكيف مع أي بيئة تعيش فيها, فهي تمتص الرطوبة من الجو بواسطة أجنحتها لتوفر الماء لنفسها في الأماكن الجافة, كما تستطيع العيش تحت الماء وتحصل على الأوكسجين عن طريق الهواء الذي تخزنه في أجنحتها, وعلى الرغم من أن شكلها مقزز وأكثر الناس لا يحب الخنافس، إلا أن أغلبها مسالم وله فائدة كبيرة للإنسان بمحافظته على التوازن البيولوجي وقضائه على أنواع كثيرة من الحشرات والآفات الزراعية, فمثلا الخنفس المعروف بالدعسوقة (ذات اللون الحمر المنقط بالأسود, وهي من أجمل الخنافس وتتفاءل بها بعض الشعوب وتعتبرها جالبة للحظ) تتم تربيتها في مزارع خاصة للاستفادة منها في القضاء على السوس وحشرة المن ببيعها للمزارعين وإطلاق الملايين منها في مزارعهم.
هناك حشرات تتحدى العلماء بما وصلوا إليه من علم ومعاملهم المتطورة, وذلك بتصنيع مواد كيماوية لاستخدامها وسيلة لجذب الطرف الآخر أو للتواصل مع باقي المجموعة أو تحذيرهم من الخطر، فمثلا (اليراعات) تقوم بصنع مادة ضوئية من تفاعل مادتين في جسمها هما (لوسيفيرين ولوسيفراس) بطاقة تصل إلى 100 في المائة بعكس مصباح أديسون الذي يستخدم 10 في المائة من الطاقة الكهربائية بينما 90 في المائة من الطاقة تتحول إلى حرارة وتبدأ بإرسال إشارات ضوئية ورسائل تلكسية فيما بينها متحدية بذلك شفرة (موريس), وعندما تنظر إلى هذه الحشرات المنتجة للضوء في الليل كأنك تشاهد سماء مليئة بالنجوم في ليلة صافية.
أما الحشرة المنسية في هذا العالم المليء بالغرائب فهي العنكبوت الذي استمد منها أعظم اختراع جعل من العالم قرية صغيرة ووفر لنا معلومات لم نكن نحلم بالحصول عليها بمجرد ضغطة زر (الشبكة العنكبوتية), فمن هندسة بيت العنكبوت (الذي لا يستغرق بناؤه أكثر من ساعة) وطريقة انتقال المعلومات عن وجود فريسة ومكان وجودها على شبكة العنكبوت، استوحي هذا الاختراع وحمل اسمه، ومنه أيضا استمد فكرة بناء الجسور من أعمدة رئيسة وأخرى فرعية وتكون الزاوية بينهم 120 درجة لزيادة قدرة التحمل خلاف ما تعارف عليه الناس عند بناء دعامات البيوت بزاوية 90 درجة, فالشكل السداسي لبيت العنكبوت ولخلية النحل وللمركبات الكيماوية خصائص عجيبة سنتطرق إليها في مقال قادم ـ بإذن الله ـ وخيوط هذا البيت المصنوعة من البروتين مغزولة بشكل يجعلها أمتن من مادة الفولاذ بخمسة أضعاف التي هي أقوى مادة عرفها الإنسان واستخدمها في تشييد المنشأة الضخمة ونظرا لمتانة هذه الخيوط قام العلماء بمحاكاة المادة المصنوع منها الخيوط وأنتجوا قماشا ودروعا مقاومة للرصاص والمعروفة باسم (الكفلار) فلو تمكن العنكبوت من غزل شبكة قطرها 50 مترا لتمكن من إيقاف طائرة نفاثة، ومثلما تتحدى اليراعة الكيماويين كذلك يفعل نوع من العنكبوت حيث ينتج هرمون (الفيرمون) الذي احتاج إلى أبحاث طويلة ومعامل متطورة لمعرفة تركيبته الكيماوية بينما هو ينتجه في ثوان معدودة لجذب فريسته.
وأختم رحلتي معكم في عالم الحشرات بدعوة إلى حب هذه الكائنات والتقرب من عالمها لنتزود بالمعرفة ونطور عالمنا كما فعل غيرنا.