معايير الوقود منخفض الكربون: سياسة جديدة لخفض استهلاك النفط

التركيز على قضية تغير المناخ والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، أدى إلى توجيه الاهتمام بصورة أكبر إلى ضرورة خفض الانبعاثات الناتجة عن قطاع النقل والمواصلات، حيث تشكل انبعاثات الغازات الدفيئة من هذا القطاع نحو 14 في المائة من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية، وفي الولايات المتحدة يسهم هذا القطاع بنحو ثلث من انبعاثات الغازات الدفيئة فيها. سياسات الحد من استخدام الوقود في قطاع النقل وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة يمكن أن تتخذ ثلاثة أشكال: التركيز على المركبة، الوقود أو على واسطة ومسافة النقل.
أنظمة الاقتصاد في استهلاك الوقود تركز على المركبة نفسها، وذلك عن طريق تحسين كفاءة المحركات وتقليل كمية الوقود التي تستهلكها لقطع مسافة معينة. في هذا الصدد سنت الولايات المتحدة قانونا في كانون الأول (ديسمبر) 2007 يعرف بقانون استقلال وأمن إمدادات الطاقة EISA. عمد هذا القانون إلى إدخال تغييرات كبيرة على متوسط معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود، أو ما يعرف بـالـ ''كافي'' CAFE. متوسط معيار ''كافي'' الآن للسيارات والشاحنات الخفيفة معا نحو 25 ميلا للجالون، يهدف القانون إلى رفع هذا المعيار من المستويات الحالية إلى 35 ميلا للجالون بحلول عام 2020. في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي نشرت إدارة الرئيس أوباما التفاصيل النهائية لخططها لرفع مستوى معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود للسيارات والشاحنات الخفيفة. التفاصيل الأخيرة للمعايير الجديدة، شملت تقديم الأهداف السابقة لمتوسط معيار ''كافي'' أربع سنوات مقارنة بالجدول الزمني السابق. الموعد النهائي للوصول إلى هذه المعايير هو الآن في السيارات المصنعة في عام 2016 بدلا من عام 2020.
الأنظمة والسياسات التي تخص الوقود تركز على بدائل النفط في المركبة، على سبيل المثال معايير الوقود المتجددة الحالية في الولايات المتحدة تركز على الوقود من خلال تحديد نسبة معينة من الوقود الحيوي تمزج مع وقود النقل. حيث حدد ‘’قانون استقلال وأمن إمدادات الطاقة’’، في الولايات المتحدة حدا أدنى إلزاميا وطموحا من الأنواع المختلفة من الوقود البديلة والمتجددة لتحل محل استخدام البنزين في قطاع النقل. منذ تبني هذه السياسات في عام 2005، إنتاج الوقود الحيوي في الولايات المتحدة قد ازداد من 0.25 مليون برميل يوميا (3.9 مليار جالون في السنة) إلى نحو 0.85 مليون برميل يوميا (13 مليار جالون في السنة) بحلول منتصف عام 2009 (على أساس وحدة الحجم). إضافة إلى ذلك ألزم هذا القانون توريد نحو 2.35 مليون برميل يوميا (36 مليار جالون في السنة) كحد أدنى من أنواع الوقود البديلة والمتجددة بحلول عام 2022. أما في أوروبا، وافق رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي في كانون الأول (ديسمبر) 2008 على تنفيذ حزمة من الإجراءات لتغير المناخ وتحديد أهداف للطاقات المتجددة. هذه الأهداف تشمل من بين أمور أخرى التوصل إلى 10 في المائة كحد أدنى من حصة الوقود الحيوي من مجمل استهلاك البنزين والديزل في مجال النقل في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2020.
السياسات التي تركز على واسطة أو مسافة النقل تشمل الضرائب على الوقود، رسوم الازدحام للسائقين الذين يدخلون داخل مراكز المدن، التخطيط الحضري للحد من السفر، دعم أو تشجيع استخدام النقل الجماعي وغيره من الوسائل.
معايير الوقود منخفض الكربون LCFS تتبنى مسارا جديدا لتنظيم انبعاثات الغازات الدفيئة في قطاع النقل. حيث تركز هذه المعايير على الوقود، وتتطلب الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة من الدورة الكاملة للوقود، من الإنتاج والتصنيع والتجهيز إلى الاحتراق في المركبة. حيث إن تحليل انبعاثات الغازات الدفيئة من الوقود طوال دورة حياتها بالكامل يسمح بالمقارنة بين أنواع الوقود التي لها خصائص مختلفة، والتي تنبعث منها غازات دفيئة في طرق مختلفة وليس فقط من عوادم السيارات. الهدف من معايير الوقود منخفض الكربون هو تعزيز أنواع وقود النقل التي تمتاز بانخفاض انبعاثات الغازات الدفيئة لدورة الحياة الكاملة للوقود، من دون اختيار تقنية ناجحة محددة. من وجهة نظر المشرع، معايير الوقود منخفض الكربون تعد أكثر فاعلية للتصدي للانبعاث من وسائل النقل عند تطبيقها بالتنسيق مع معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود والسياسات التي تهدف إلى الحد من الأميال المقطوعة، بذلك تغطي العوامل الثلاثة التي تؤثر على استخدام الوقود في قطاع النقل: المركبة، الوقود وواسطة ومسافة النقل.
إن عودة سياسات الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة إلى الواجهة بشدة، حملت عديدا من الجهات التشريعية على تبني أو إعادة النظر في معايير الوقود المنخفض الكربون. في الولايات المتحدة تم تطبيق معايير الوقود المنخفض الكربون في ولاية كاليفورنيا في كانون الثاني (يناير) 2010. كما أن نحو أكثر من 14 ولاية أخرى تدرس حاليا إمكانية تطبيق معايير الوقود المنخفض الكربون. إن الولايات التي تنفذ أو تنظر في إمكانية تطبيق معايير الوقود المنخفض الكربون تشكل نحو 35 في المائة من سوق البنزين في الولايات المتحدة. في كندا كل من مقاطعتي كولومبيا البريطانية وأونتاريو تدرس تطبيق معايير الوقود منخفض الكربون. في الاتحاد الأوروبي، توجيهات الوقود الجديدة المتفق عليها في أواخر عام 2008 تشمل بنود معايير الوقود منخفض الكربون التي توصي بالتوصل إلى خفض 6 في المائة من كثافة الكربون في أنواع وقود النقل بحلول عام 2020.
تشير بعض الدراسات إلى أن خفض 10 في المائة في محتوى الكربون من جميع أنواع وقود النقل بحلول عام 2020، من المتوقع أن يقلل 20 في المائة من استهلاك البنزين على الطرق ويعوض عن ذلك بوقود منخفض الكربون مثل الوقود الحيوي أو من خلال التوسع في استخدام المركبات العاملة بالطاقة الكهربائية مثل السيارات العاملة بالبطاريات بشكل كامل والسيارات المهجنة التي تعمل بالبنزين والكهرباء، إضافة إلى سيارات خلايا الوقود التي تعمل بالكهرباء الناتج عن وقود الهيدروجين.
لكن عديدا من الدراسات الأخرى تشير إلى أن معايير الوقود منخفض الكربون من المرجح ألا تفعل الكثير للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بل على العكس يمكن أن تكون لها نتائج عكسية. حيث تبين هذه الدراسات أن سياسة التقليل من استهلاك الوقود العالي الكربون مثل النفط، لكن مع زيادة إنتاج الوقود منخفض الكربون، من الممكن أن تؤدي إلى زيادة في انبعاثات الكربون. الموضوع التالي ''انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من الوقود الحيوي بين النظرية والواقع- ''الاقتصادية'' الثالث من آذار (مارس) 2010'' يوضح هذا الجانب.
يبقى السؤال هنا حول الهدف من معايير الوقود منخفض الكربون: هل هي وسيلة لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أم هي حجة لخفض استهلاك النفط في قطاع النقل بأي ثمن؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي