أخطار الدول الأيديولوجية

قطبا الأزمة في منطقة الشرق الأوسط هما إسرائيل وإيران كدولتين رئيستين ذواتي بعد أيديولوجي واضح، فهما يأخذان بالأيديولوجيا كعنصر أساسي في تكوين نسيجهما الاجتماعي السياسي مما انطلى على تركيبتهما وشخصيتهما وتصرفهما السياسي .. ما يجمع هاتين الدولتين على اختلافاتهما العرقية والتاريخية والمرحلة التنموية الاقتصادية هو أهمية البعد الأيديولوجي في حضورهما الجيوسياسي وقرارهما الداخلي. يصعب أن تتخيل هاتين الدولتين في المدى المنظور دون هذا البعد. أحد أسباب الاستقطاب في المنطقة هو هذا التباعد الأيديولوجي أو بالأحرى الاتفاق على مركزية الأيديولوجيا في التكوين السياسي الاجتماعي ومن ثم التعامل مع استحقاقاتهما على السياسة الخارجية. لا تزال المنطقة تعيش مرحلة ما قبل التاريخ، فالعالم تخطى الحقبة الأيديولوجية بعد أن استطاع هضم العنصر الأيديولوجي وأصبح جزءًا من إطار اجتماعي عام وحتى ثقافي أوسع للمجتمع دون أخذ التعاليم والأنظمة المنبثقة عنها كأداة لإدارة المجتمع.
تعاملت هاتان الدولتان مع الوضعية الأيديولوجية على حسب توجهاتهما السياسية من ناحية، وظروفهما الموضوعية من ناحية أخرى. فإسرائيل الدولة المتقدمة اقتصاديا وعلميا لم تكن الأيديولوجيا عبئا كبيرا لسببين الأول، أنها جزء من النظام الغربي الذي أعطاها قفزة حضارية ثقافية والآخر، أنها لا تزال تعتبر نفسها في مرحلة تكوين وبالتالي هناك زخم عاطفي وسياسي لاستخدام الأيديولوجيا، ولكن الاستحقاقات الأيديولوجية تدفع بها نحو التوسع الاستعماري والتصادم مع حقوق الجيران.
إيران في نقطة تقاطع هي الأخرى، فهي تستخدم الأيديولوجيا كعنصر تماسك ثوري. فالحالة الثورية المستمرة تتماشى مع رغبة إيران العارمة في الاستقلال واللعب على الحلم الإمبراطوري الغابر (ولو أن الحالة الثورية بدأت تتآكل لصالح البعد الأمني). من الناحية العملية وجدت إيران أن الأيديولوجيا تساعد كثيرا على التكيف مع التركيبة السكانية حيث يشكل الفرس نحو 50 في المائة من السكان فقط، ولذلك فإن الانضواء تحت مظلة أيديولوجية أفضل لإيران من مظلة قومية في هذه المرحلة. ولكن الانشغال الإيراني بهذه الأبعاد واستحقاقاتها الطموحة ممثلة في التدخلات الخارجية والرغبة في الحصول على السلاح الذري جعل إيران تحتمي بنظام أيديولوجي ضيق على حساب التنمية.
موضوعيا، تحتاج الدول الكبيرة، وخاصة قبل اكتمال المشروع النهضوي، إلى حالة من التماسك الأيديولوجي، ولا تستطيع استهلاك هذا الرصيد دون استعماله في شحذ الهمم وتأطيره لبناء مجتمع مدني بديل. لعل أحد الأخطار هو تنازل أيديولوجي وتفكك في التركيبة الاجتماعية السياسية دون بديل مؤثر. فقد ذكر أحد خبراء الاستراتيجيات أن أحد الأخطار الكبيرة أن تعمل على التخلص من نظام دون العزم والوضوح في الأخذ بنظام بديل.
فهاتان الدولتان تلتقيان في أهمية البعد الأيديولوجي وتختلفان في المنحى البياني تماشيا مع الفراغات والفرص التي بين المقتضيات العملية والحاجة لوضوح الرؤية. فهما في دائرة واحدة في مستوى معين ولكنهما متباعدتان كل البعد في الدوائر الأصغر والأكثر علاقة باحتياجات الناس؛ ولذلك فإن أحد العوامل الحاسمة في الصراع الظاهر والخفي في المديين المتوسط والبعيد هو مدى استعمال البعد الأيديولوجي للتماسك لحين والانكفاء عن الرغبة التوسعية في حالة إسرائيل وقدرتها على التعايش سلميا مع جيرانها، وفي حالة إيران الحاجة إلى التنمية والحد من النزعة العدوانية خارجيا كذريعة للدفاع عن وضعية سياسة معينة. أصبح طموح إيران وقوة إسرائيل هما ميدان تقرير مصير المنطقة في هذه المرحلة وهما دخلا بالمنطقة في لعبة حساسة وخطيرة سوف تختبر الجميع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي